للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واحتج هؤلاء بحديث عبادة بن الصامت، بل بحديث أبي هريرة أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما نهاهم عن القراءة مع الإمام قال: فانتهى الناس عما كان يجهرُ فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم (٣٦)، قالوا: وهذا دليل على أنه منسوخ، على أن الأمر بالقراءة -قراءة الفاتحة- منسوخ، لأنه قال: فانتهى الناس عما كان يجهرُ فيه، فعلى هذا تكون قراءة الفاتحة ليست واجبة على المأموم إذا كان الإمام يجهر في صلاته.

واستدلوا أيضًا بأن الجهر بالقراءة إذا كان الإنسان يستمع لها فهى قراءة له حكمًا؛ بدليل أنه يُسنُّ للمستمع المنصت إذا سجد القارئ أن يسجد معه، وهذا دليل على أنه كالتالي حكمًا.

واستدلوا أيضًا بأن المنصت المتابع للقارئ له حكمه؛ لقوله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} [يونس: ٨٩]، والداعي موسى وحده؛ لقوله: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: ٨٨]، الداعي موسى، وهارون كان يُؤَمِّن، وجعلهما الله -عز وجل- داعيين، إذن فالمنصت للقراءة قارئ حكمًا.

واستدلوا أيضًا بأنه لا فائدة من الجهر بالقراءة إذا لم تَسْقُط عن المأموم، وكيف يقرأ وإمامه قد قرأ؟ ثم كيف يقرأ وإمامه يجهر بالقراءة؟ هذا لغو أو عبث من الحكم؛ لأنه إذا قلنا للإمام: اقرأ بعد الفاتحة، ثم جاء المأموم ليقرأ الفاتحة صار جهر الإمام فيما يقرأ فيه لغوًا لا فائدة منه، وهذه أدلة لا شك أنها قوية؛ لولا النص الذي أشرنا إليه أولًا، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم انفتل مِن صلاة الفجر فقال: «لَا تَقْرَؤُوا خَلْفَ إِمَامِكُمْ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (٩)، ولكن كيف نجيب عن هذه الأدلة؟

نجيب عن هذه الأدلة بأنها عامة، والأمر بقراءة الفاتحة أخص منها، وإذا كان أخص وجب تقديم الأخص.

<<  <  ج: ص:  >  >>