للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣٥) إذا نزلناه على هذه المراتب الثلاث وجدنا أنه قد يوجد من يُصلِّي ولا يقرأ الفاتحة، وعلى هذا فلا يكون نفيًا للوجود.

إذن إذا وجد ولم تُقرأ الفاتحة؟ فإن الصلاة لا تصح؛ لأن المرتبة الثانية هي نفي الصحة، وعلى هذا فلا تصح الصلاة، والحديث عام لم يُستثنَ منه شيء، والأصل في النصوص العامة أن تبقى على عمومها، فلا تُخصَّص إلا بدليل شرعي، إما نص، أو قياس صحيح، أو إجماع، ولم يوجد واحد من هذه الثلاثة بالنسبة للعموم الذي نحن بصدده وهو قوله: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».

فإن قال قائل: يوجد دليل يُخصِّص هذا العموم، وهو قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: ٢٠٤]، قال الإمام أحمد: أجمعوا على أن هذا في الصلاة.

فالجواب أن يقال: إن هذه الآية عامة، تشمل الإنصات في كل من يُقرأ عنده القرآن، تُخصَّص بالفاتحة، فإنه لا يسكت إذا قرأ الإمام، ويدل لهذا ما رواه أهل السنن من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم انفتل من صلاة الصبح ذات يوم فقال: «مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟ »، ثم قال: «لَا تَقْرؤُوا فِيمَا جَهَرْتُ فِيهِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (٣٦)، وهذا نص في محل النزاع؛ فيكون فاصلًا بين المتنازعين؛ لأنه جاء في صلاة جهرية ولَّا سرية؟

طلبة: جهرية.

الشيخ: جهرية، فيؤخذ به.

وأما قول الإمام أحمد رحمه الله: أجمعوا على أنها في الصلاة، فالظاهر لي -والله أعلم- أن مراده -رحمه الله- أنه لو قرأ قارئ ليس إمامًا لي فإنه لا يجب عليَّ الاستماع له، بل لي أن أقوم مثلًا وأنصرف، أو أشتغل بما أنا مشتغل فيه.

<<  <  ج: ص:  >  >>