(المسيح) فَعِيلٌ بمعنى مفعولٍ مِن المسْحِ؛ لأنه كان يمسحُ الأرضَ لسُرعةِ سيرِهِ فيها، أو لأنه كان ممسوحَ العينِ؛ لأنه أعورُ العينِ اليُمنى، كأنَّ عينَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ أو عِنَبَةٌ طَافِئَةٌ، إمَّا (طافيةٌ) أو (طافئةٌ)، إن كانت (طافئة) فهي خابِيةٌ؛ يعني: كأنها غائرةٌ، وإن كانت هي (طافية) بالياء فهي كالعِنَبةِ الطافيةِ فوق الماءِ؛ أي إنها ناتئة.
على كُلِّ حالٍ هذا المسيحُ الدجَّال فِتنتُه مِنْ فتنةِ الدُّنيا؛ لأنه لا يَفتِنُ إلَّا الأحياءَ، الأمواتُ قد سَلِموا منه.
فإنْ قال إنسانٌ: إذا كان مِنْ فتنةِ الدُّنيا أو مِن فتنةِ المحيا، فلماذا ذُكِرَ وحده؟
والجوابُ على هذا سهلٌ؛ لأنَّ أعظمَ فتنةٍ على وَجْهِ الأرضِ منذُ خُلِقَ آدمُ إلى قيامِ الساعةِ فتنةُ الدجَّال كما قال ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولهذا ما مِنْ نبيٍّ مِنْ نوحٍ إلى محمَّدٍ -صلواتُ الله عليهم وسلامُه- إلَّا أنذره قومَه تنويهًا بشأنِهِ وتعظيمًا له وتحذيرًا منه، وإلَّا فإنَّ الله يعلم أنه لنْ يخرجَ إلَّا في آخِرِ الزمانِ، لكنْ أُمِرَ الرسلُ أن يُنذِروا قومَهم إيَّاهُ من أجْلِ أنْ يتبيَّن عِظَمُه وفداحتُه، وقد صحَّ ذلك عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام وقال:«إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ» صلواتُ الله وسلامُه عليه، يعني: أكفيكم إيَّاهُ. «وَإِلَّا فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»(١٨)، نِعْمَ الخليفةُ.
فهذا الدجَّالُ شأنُهُ عظيمٌ مِن أعظمِ بلْ هو أعظمُ فتنةٍ كما جاء في الحديث منذُ خُلِقَ آدمُ إلى أن تقومَ الساعةُ، فكانَ حَرِيًّا بأنْ يُخَصَّ مِن بينِ فِتَنِ المحيا.