يشمَلُ الأمرين؛ فهو يستعيذُ بالله من عذاب جهنَّم؛ أي: من فِعْلِ الأسبابِ المؤدِّية إلى عذاب جهنَّم، ومن عذاب جهنَّم؛ أي: من عقوبة جهنَّم إذا فَعَلَ الأسبابَ التي توجِبُ ذلك؛ لأن الإنسان بين أمرينِ: إمَّا عصمةٌ من الذُّنوب فهُنا أعاذه اللهُ من فِعْلِ السببِ، وإمَّا عفوٌ عن الذُّنوبِ وهُنا أعاذه اللهُ من فِعْل السببِ ولَّا من أَثَرِ السبب؟ مِن أَثَر السبب.
وقولُنا قبل قليل: العِصْمة من الذُّنوبِ. هذا ليس معناه العصمة المطْلَقة؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»(٦). وقال:«لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»(٧).
ومنْ (عذابِ القَبْرِ).
ما هو القبر؟ أصل القبر مدفنُ الميِّت؛ قال الله تعالى:{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}[عبس: ٢١]؛ قال ابنُ عباسٍ فيها: أيْ: أَكْرَمَهُ بدفْنِهِ. فأصلُ القبرِ مدفنُ الميِّتِ.
وقد يُراد به البرزخُ الذي بين موتِ الإنسان وقيامِ الساعة وإنْ لم يُدفَنْ؛ كما قال تعالى:{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[المؤمنون: ١٠٠] يعني: مِن وراءِ الذين ماتوا، وأوَّل الآيةِ يدلُّ على هذا؛ {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[المؤمنون: ١٠٠].
فهل الدَّاعي إذا دَعَا: أعوذُ باللهِ من عذابِ القبر. يريد من مدفن الموتى، أو من عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام الساعة؟