للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

زَعَمَ بعضُ العلماء ذلك وقال: إنَّ النَّارَ نارانِ: نارٌ لأهل الكُفر، ونارٌ لأهل المعاصي من المؤمنين، وبينهما فَرْقٌ. ولكن هذا لا أعلمُ له دليلًا لا من القرآنِ ولا من السُّنَّةِ، والذي أعلمُه أنَّ النَّار واحدةٌ لا تختلف، لكن عذابها يختلفُ؛ لا شَكَّ أنَّها على عُصاةِ المؤمنينَ ليستْ هي على الكافرين؛ بلا شكٍّ أنها تختلف.

وكوننا نقول بالتقسيم بناءً على استبعادِ عقولنا أن تكون نارٌ واحدةٌ تؤثِّر تأثيرَيْنِ مختلفَيْنِ، هذا الاستبعادُ لا وَجْهَ له:

أولًا: أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل النَّارَ الواحدة لشخصٍ سلامًا ولآخرَ عذابًا.

وثانيًا: أن أحوال الآخرة لا تُقاس بأحوال الدنيا أبدًا لظهور الفَرْقِ العظيم بينهما، فلا يجوز أن تقيس أحوال الآخرةِ بأحوال الدُّنيا لتنفي ما لا يتَّسعُ له عقلُك، بلْ عليك بالنسبة لأحوال الآخرة أن تُسَلِّم وتقْبل وتُصدِّق.

أليستْ هذه الشمسُ تدنو من الخلائق قَدْرَ ميلٍ يوم القيامة، ولو كانت أحوالُ النَّاسِ يوم القيامة كأحوالهم في الدنيا لأحرقتْهم؛ لأنَّ هذه الشمسَ الآن في أوْجِهَا لو أنها نزلتْ ولو يسيرًا أحرقتِ الأرضَ، مَحَتْهَا عن آخرها، ونحن نحسُّ بحرارتها الآن وبيننا وبينها مسافاتٌ عظيمةٌ، ونحسُّ بحرارتها لا سيَّما في أيام الصيف حين تكون عمودية، ومع ذلك تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميلٍ ولا يحترقون بها.

كذلك أيضًا في يوم القيامة؛ الناسُ في مقامٍ واحدٍ، المؤمنون لهم نورٌ يسعى بين أيديهم وبأيمانهمْ والكُفَّارُ في ظُلْمَةٍ، لكنْ في الدنيا لو كان جانبك واحدٌ على يمينه نورٌ وبين يديه نورٌ تنتفع ولَّا ما تنتفع؟ تنتفع، في الآخرة لا.

<<  <  ج: ص:  >  >>