وهذا مشهور بين أهل العلم، لكن الصحيح خلاف ذلك، وأن الصلاة أخص من الرحمة، ولذا أجمع المسلمون على جواز الدعاء بالرحمة لكل مؤمن، واختلفوا: هل يصلى على غير الأنبياء؟ ولو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لم يكن بينهما فرق، لكان كما ندعو لفلان بالرحمة نصلي عليه.
وأيضًا فقد قال الله تعالى:{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}[البقرة: ١٥٧]، فعطف الرحمة على الصلوات، والعطف يقتضي المغايرة، فتبين بدلالة الآية الكريمة واستعمال العلماء رحمهم الله للصلاة في موضع والرحمة في موضع على أن الصلاة ليست هي الرحمة.
إذن فما هي؟ أحسن ما قيل فيها ما ذكره أبو العالية رحمه الله: أن صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، (اللهم صَلِّ عليه): أثنِ عليه في الملأ الأعلى.
فإذا قال قائل: هذا بعيد من اشتقاق اللفظ، الصلاة في اللغة الدعاء ليست الثناء.
فالجواب على هذا: أن الصلاة أيضًا من الصلة، ولا شك أن الثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الملأ الأعلى من أعظم الصلات؛ لأن الثناء على الإنسان قد يكون أحيانًا أهم عند الإنسان من كل مال، فالذكرى الحسنة صلة عظيمة.
وعلى هذا؛ فالقول الراجح: أن الصلاة تعني: الثناء عليه في الملأ الأعلى، فأنت إذا قلت: اللهم صَلِّ على محمد؛ أي: أثن عليه في الملأ الأعلى، أي: عند الملائكة المقربين.
وقوله:(على محمد) قد يقول قائل: لماذا لم يقل: على النبي، أو: على نبيك محمد، وإنما ذكره باسمه العلم فقط، فكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا}[النور: ٦٣]؟
فالجواب: أن هذا من باب الخبر، والخبر أوسع من الدعاء؛ يعني أوسع من أن تدعوه باسمه، فجاز أن يكون بلفظ محمد.