للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم إن الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ علَّم أمَّته، علمها، حتى إنه كان يُعَلِّم ابنَ مسعود وكَفُّه بين كفَّيه، من أجل أن يستحضر هذا اللَّفظَ، وكان يُعلِّمُهم إيَّاه كما يُعلِّمُهم السُّورة من القرآن، وهو يعلم أنه سيموت؛ لأن الله قال له: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: ٣٠]، ولم يقلْ: بعد موتي قولوا: السَّلامُ على النَّبيِّ، بل عَلَّمَهم التشهُّدَ بهذا اللفظ كما يُعلِّمُهم السُّورةَ من القرآن بلفظها، وعلى هذا فيكون ما جاء عن ابن مسعود اجتهادًا منه خالفه فيه من هو أعلم منه من الصحابة رضي الله عنهم، فلا يُعَوَّلُ عليه، بل يُقال: (السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ).

وقوله: (أيُّها النبيُّ) هذه مُنادى حُذفت منه ياء النداء، والأصل: يا أيها النبيُّ، وحُذفت ياء النداء لكثرة الاستعمال والتخفيف، والبداءة بالإشارة أو بالكناية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: (أيُّها النبيُّ) يُقال: النَّبيءُ، ويقال: النَّبيُّ، أمّا إذا قيل: النبيء فهو فعيل مِن النبأ بمعنى الخَبَر، لكنه فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؟

بمعناهما جميعا؛ فهو منبِئ ومنبَأ، أليس كذلك؟ {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: ١، ٢]، فهو منبِئ منبَأ، هذا إذا كانت بالهمز.

وإن كانت بالتخفيف أو بالتسهيل: النَّبيُّ، فإما أن تكون أصلها مهموزًا وحُذفت الهمزة تخفيفًا، وإمَّا أن تكون من (النَّبْوَة) وهي الارتفاع، وسُمِّيَ بذلك لارتفاع رُتبته صلّى الله عليه وسلّم.

ألا يمكن أن نقول: إنها (النَّبيّ) بالياء، من الأمرين جميعًا؟ من النَّبْوَة وهو الارتفاع، ولّا من النبأ وهو الخبر؟ يمكن ولّا ما يمكن؟

يمكن، وقد مر علينا مثل هذه المعاني، وذكرنا قاعدة مفيدة، وهي أن اللفظ إذا احتمل معنيين لا يتنافيان حُمل عليهما جميعًا، ولا شَكَّ أن الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم مقامُه أرفع المقامات، وأنه مُنَبَّأ ومُنْبِئ.

<<  <  ج: ص:  >  >>