للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جلسة الاستراحة قبل القيام من السجود سنة في حق من يحتاجها فقط للراحة وعدم المشقة وفصَّل بعض العلماء في هذا، وقال: قد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان لا يجلس، وأنه كان يجلس، ومن المعلوم أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حالين؛ حالًا فيها كان نشيطًا شابًّا قويًّا، وحالًا كان فيها دون ذلك، فإنه كان عليه الصلاة والسلام في آخر حياته يصلي الليل قاعدًا، أكثر من سَنَة يصلي قاعدًا، وكان عليه الصلاة والسلام سابَقَ عائشة فسبقها، ثم سابقها فسبقته (٣٦).

ثم إنه عليه الصلاة والسلام كان يحب أن ييسر على نفسه في العبادة، وكذلك يحب أن ييسر الإنسان على نفسه في العبادة، حتى إنه أنكر على الذين قالوا: نصوم ولا نفطر، ونقوم ولا ننام، ولا نتزوج النساء (٣٧).

ومنع عبدَ الله بن عمرو بن العاص من أن يصوم الدهر، وأرشده إلى أن يصوم يومًا ويدع يومًا، ومنعه من أن يقوم الليل كله، وأرشده إلى أن ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه (٣٨)، وهذا دليل على أن شريعة النبي عليه الصلاة والسلام مبنية على اليسر والسهولة.

وكان مالك بن الحويرث قَدِمَ إليه في آخر حياته، فكان صلى الله عليه وسلم يحب التيسير على نفسه، فيجلس ثم يعتمد بيديه على الأرض، وهذا يدل على أن قيامه فيه شيء من المشقة، بدليل اعتماده على الأرض؛ لأن مَن كان نشيطًا فإنه وإن جلس للتشهد أو لغير التشهد لا يحتاج إلى الاعتماد، فلولا أنه كان عليه الصلاة والسلام محتاجًا إلى هذه الجلسة ما اعتمد عند النهوض منها.

وقالوا أيضًا: إن من المعلوم أن جميع أفعال الصلاة المستقلة أركان، وأن كل ركن له ذكر خاص، وهذه ليست ركنًا بالإجماع، أكثر ما فيها أن العلماء اختلفوا في مشروعيتها.

أما أنها ركن فإنه قد نَقل غيرُ واحد الإجماع على أنها ليست بركن، وأيضًا كل فعل من أفعال الصلاة له ذِكر، وهذه ليس لها ذِكْر، فدل على أنها فعل ليس فعل عبادة.

<<  <  ج: ص:  >  >>