للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولكن في هذا شيء من النظر؛ لأن الاستراحة للتقوِّي على العبادة عبادة، كقول الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥] فتسمية العلماء لها قاطبة فيما نعلم بجلسة الاستراحة لا يُنكَر؛ لأننا نقول: حتى وإن سَمَّيْنَاها جلسة الاستراحة فإن التعبد لله بها إذا كان الإنسان يستريح بها لينشط على العبادة يجعلها عبادة.

المهم نحن وعدنا بأن نتكلم على خلاف العلماء في هذه الجلسة، فالمشهور من المذهب كما رأيتم أنها لا تُسَنُّ مطلَقًا، بل السنة أن ينهض على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه، سواء كان نشيطًا، أو غير نشيط.

وقال بعض العلماء: بل يجلس؛ لأنه ثبت في صحيح البخاري (٣٤) من حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا.

وكذلك في نفس الحديث أنه كان يعتمد على يديه، أي يعتمد على الأرض ثم يقوم.

قالوا: وهذا دليل على أنها جلسة يستقر فيها؛ لأن الاستواء بمعنى الاستقرار، ومنه قوله تعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: ١٣، ١٤].

فإذا كان مالك بن الحويرث يروي هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي روى قوله صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣٥)، وقد جاء في وفد قومه في السنة التاسعة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا يدل على أنها مستحبة، وأنها من الجلسات المندوبة، وليست من الجلسات التي تفعل بمقتضى الطبيعة والجِبِلَّة.

<<  <  ج: ص:  >  >>