قال:(ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد)(ملء) هذه صفة لموصوف محذوف، والتقدير: حمدًا ملء. و (حمدًا) هذه المحذوفة منصوبة على المصدر، والعامل فيها المصدر في قوله:(ربنا ولك الحمد). وقوله:(ملء السماء وملء الأرض) هكذا قال المؤلف بلفظ الإفراد، وأكثر الروايات الواردة في هذا بلفظ الجمع:«مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ»(٢١). هذا أكثر الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية لمسلم:«مِلْءَ السَّمَاءِ»(٢٢)، لكن أكثر الروايات بالجمع.
(وملء الأرض): جاء بها مفردة؛ لأن هذا هو التعبير القرآني، فالله سبحانه وتعالى في القرآن يعبر عن الأرض بالإفراد وعن السماوات بالجمع.
وقوله (ملء السماوات وملء الأرض) ما معنى قوله: (ملء)؟
قال بعض أهل العلم: معناه أنه لو كان الحمد أجسامًا لملأ السماء وملأ الأرض، فيكون ملأها بالحجم، يعني لو قدر أن هذا الحمد أجسام لملأ السماء والأرض، ولكن الصحيح خلاف ذلك وأن معنى قوله:(ملء السماء) هو أن الله سبحانه وتعالى محمود على كل مخلوق، وعلى كل فعل يفعله، فكل فعل يفعله وكل مخلوق يخلقه فإن الله تعالى يستحق عليه الحمد. ومعلوم أن السماوات والأرض بما فيها كلها من خلق الله، فيكون الحمد حينئذ مالئًا للسماوات والأرض؛ لأن المخلوقات تملأ السماوات والأرض، وهذا أولى؛ لأن الإنسان يستحضر به أن الله محمود على كل فعل فعله وعلى كل خلق خلقه.
أما أن يقدر أنه أجسام متراكمة فهذه أيضًا تختلف؛ لأن الأجسام قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة، ومعلوم الفرق بين ما ملئ بأجسام صغيرة وما ملئ بأجسام كبيرة؛ لأن ما ملئ بأجسام كبيرة في الغالب يكون فيه فراغات، وقدر ذلك بصاع من الأقط المقروص، الذي جعل كالقرصان، ومن صاع من الرز، تجد الفراغات الكثيرة في الأول دون الثاني.