الأمر الثاني: اختلف العلماء الذين يقولون: لا يقرأ بها هل هي حجة في الحكم، أو ليست بحجة؟ فمنهم من قال: إنها ليست بحجة، ومنهم من قال: إنها حجة.
وأصح هذه الأقوال أنه إذا صحت هذه القراءة عمن قرأ بها من الصحابة، فإنها مرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصح القراءة بها في الصلاة وخارج الصلاة، هذا هو الأصح، أصح الأقاويل في هذا؛ لأنها إذا صحت موصولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فما المانع؟ نعم لا نقرأ بها أمام العامة؛ لأننا إذا قرأنا بها أمام العامة حصل بذلك فتنة، وحصل بذلك تشويش، وحصل بذلك قلة اطمئنان إلى القرآن الكريم، وقلة ثقة به، وهذا لا شك أنه مؤثر ربما على العقيدة فضلًا عن العمل.
لكن الكلام فيما بين الإنسان وبين نفسه، أو فيما بينه وبين طلبة العلم الذين يفهمون حقيقة هذا الأمر، لا يقول قائل: إذا صحت وصححتم الصلاة بها وصححتم القراءة بها وأثبتم الأحكام بها، لا يقول قائل: لماذا لا تقرؤونها على العامة؟ لأننا نقول: إن هدي الصحابة رضي الله عنهم ألا تحدث الناس بحديث لا تبلغه عقولهم، كما في حديث علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون -أي: بما يمكن أن يعرفوه ويهضموه وتبلغه عقولهم- أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ (٢). يعني العامي إذا جاءه أمر غريب عليه نفر على طول، وكذب، وقال: هذا شيء محال، مستحيل، أنا لا أؤمن بهذا الشيء. ربما يقول هكذا. مشكلة هذا.
وقال ابن مسعود: إنك لا تحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة (٣). وصدق رضي الله عنه، فلهذا نحن لا نحدث العامة بشيء لا تبلغه عقولهم؛ لئلا تحصل الفتنة، ويتضرر في عقيدته وفي عمله.