ثم هل هي ركن في كل ركعة أو يجزئ أن تقرأ في أول ركعة أو في آخر ركعة، أو فيما بينهما، على خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه إذا قرأ فاتحة الكتاب في الصلاة في أول ركعة أو في آخر ركعة أو فيما بين ذلك صدق عليه أنه قرأ بفاتحة الكتاب؛ لأن الفعل المطلق أو الأمر المطلق لا يشترط فيه التكرار.
ومن العلماء من قال: بل لا بد منها في كل ركعة، وهذا القول هو الصحيح، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته حين وصف له الركعة الأولى قال:«ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا»، فكما أن الركوع والسجود والقيام والقعود ركن في كل ركعة، فكذلك قراءة الفاتحة، ولا فرق، ويدل لذلك أيضا مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على قراءتها في كل ركعة ولم يحفظ عنه أنه أخل بها في ركعة من الركعات.
فعلى هذا نقول: الفاتحة ركن في كل ركعة، ولا تسقط إلا عن مسبوق أدرك الإمام راكعًا أو قائمًا، ثم شرع فيها وخاف أن يفوته الركوع قبل أن يتمها، فإن في هذه الحال تسقط، ودليل ذلك: حديث أبي بكرة رضي الله عنه حين دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، فأسرع وركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم استمر في صلاته، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته قال:«أَيُّكُمُ الَّذِي فَعَلَ هَذَا»، قال أبو بكرة: أنا يا رسول الله، قال:«زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ».
ولم يأمره بقضاء الرَّكعة التي أدركَ ركوعها، دون قراءتها، ولو كانت الركعة غير صحيحة لأمره بإعادة الركعة، كما أمَرَ المسيءَ في صلاتِهِ بإعادة الصلاة لعدم الإتيان بأركانها؛ ولأن القياس يقتضي ذلك فإن قراءة الفاتحة ركن في القيام، وهذا المسبوق سقط عنه القيام لمتابعة إمامه، فلما سقط عنه المحل سقط الحال؛ كما لو قُطعت يد إنسان؛ فإنه يسقط عنه غسلها في الوضوء؛ لعدم وجود المحل.