والفاتحةُ هي أمُّ القرآن، وذلك لأن جميعَ مقاصدِ القرآن موجود فيها، فهي مشتملة على التوحيد بأنواعه الثلاثة، وعلى الرسالة، وعلى اليوم الآخر، وعلى طُرق الرُّسل، وجميعُ ما يتعلَّق بأصول الشَّرائع موجودٌ في هذه الفاتحة، ولهذا تُسمَّى «أمُّ الْقُرْآنِ»، وتُسمَّى «السَّبْعُ الْمَثَانِي»، كما صحَّ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد خصَّها الله بالذِّكْرِ في قوله:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}[الحجر: ٨٧]، وعَطْفُ القرآن عليها من باب عَطْفِ العام على الخاص.
يقرأ الفاتحة، والفاتحة رُكْنٌ مِن أركان الصَّلاةِ، وشرطٌ لصحَّتها، فلا تصحُّ الصَّلاةُ بدونها؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم:«لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، وهذا النفي ليس نفيًا للوجود؛ لأنه قد توجد الصلاة بلا فاتحة وليست نفيًا للكمال، بل هي نفي للصحة؛ لأن الأصل فيما نفي أن يكون نفيًا لوجوده، فإن تعذر فهو نفي لصحته.
ونفي الصحة نفي للوجود الشرعي في الواقع، فإن لم يمكن صار النفي نفيًا للكمال، هذا ترتيب النفي، وعلى هذا فمن ادعى أن النفي نفي للكمال مع إمكان حمله على نفي الصحة فقوله مردود؛ لأن الأصل في المنفي عدم وجوده، فإن كان غير موجود قَدَرًا فهو نفي للوجود، وإن كان غير موجود شرعًا؛ يعني غير ثابت شرعًا فهو نفي للصحة، وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال:«لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، وصح عنه أنه قال:«كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِي خِدَاجٌ»؛ أي: فاسدة، وصح عنه أنه قال:«لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآَنِ»، وكل هذه نصوص صريحة في تعيين قراءة الفاتحة، وعلى هذا فنقول: هي ركن في الصلاة.