أما دلالة السنة فحديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم في صحيحه، قال: كان الطلاق الثلاث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم واحدة وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، فلما أكثر الناس ذلك قال عمر رضي الله عنه: أرى الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (٣). وهذا يدل على أن إمضاء الثلاث من اجتهادات عمر، وأنه رضي الله عنه إنما صنع ذلك سياسة لا أن هذا مقتضى الأدلة، لكن سياسة، كيف سياسة؟ لأنه إذا ألزم الناس بالطلاق الثلاث كفوا عن الطلاق الثلاث؛ يعني: مثلًا الإنسان إذا كان قد علم أنه إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهي واحدة يهون عليه أن يقولها مرة أخرى أو لا؟ يهون، لكن إذا عَلِم أنه إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق حيل بينه وبين زوجته، فإنه لا يقولها، يتريث. فلهذا كان من سياسة عمر أن ألزم الناس بمقتضى قولهم، وقال: إنهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، وألزمهم به، وقال إذا جاء يستفتيه قال: أنا طلقت زوجتي ثلاثًا أراجعها؟ قال: لا، لا نمكنك من المراجعة. فمنعه من المراجعة لماذا؟ سياسة؛ لئلا يتعودوا ذلك.
المهم أن هذا هو الحق: أن طلاق الثلاث واحدة، خلافًا للجمهور وخلافًا للرافضة؛ الرافضة ماذا يقولون؟ لا يقع، والجمهور يقولون: يقع، استنانًا بسنة عمر، فيقال: عمر رضي الله عنه إنما سنة أيش؟ سياسة لأجل أن يرتدع الناس، وليس نظرًا لمقتضى الأدلة.
والصواب إذن ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله، ولا فرق بين أن يقول: أنت طالق ثلاثًا، أو يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.