الشيخ: الثاني، لا شك أنه الثاني؛ لأننا لو أطلقنا القول بأن طلاق الغضبان لا يقع لامتلأت مجالسنا ممن يقول: أنا غضبت وطلَّقت. وهو لا يُفرِّق بين الدرجة الأولى والدرجة الثانية، فيقع التلاعب؛ ولهذا إطلاق الفتوى به؛ أي بعدم وقوع الطلاق من الغضبان يؤدي إلى أن يتتايع الناس في الطلاق.
فإذا رأى الإنسان من الزوج أنه رجل مستقيم لا يمكن أن يتهاون، فحينئذٍ يتوجه القول بالفتوى أنه لا يقع الطلاق، وإذا رأى من سيم الرجل أنه متهاون يريد أن ترجع إليه زوجته بأي سبيل، فهنا ينبغي أن نُفتي بوقوع الطلاق، وهذا من باب سياسة الخلق، والسياسة لها شأن عظيم في الشريعة الإسلامية، حتى في الأمور الحسية السياسة لها شأن عظيم، ربما نمنع هذا الرجل من أكل هذا الطعام المعين وهو حلال الطعام لأنه يضره، ولا نمنع الآخر؛ لأنه لا يضره. فمثل السياسة والتربية أمر -أيها الطلبة- يجب التفطن له، وألا تكون الفتوى مطلقة هكذا في كل زمان ومكان.
ولا يخفى علينا السياسة العمرية أن عمر رضي الله عنه منع الرجل من الرجوع إلى زوجته إذا طلقها ثلاثًا؛ لأنه حرام، فكثر من الناس، فمنعهم من المراجعة، وقال: أرى الناس تتايعوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه (٦).
فالسياسة أمر مهم؛ ولهذا مر بي أن رجلًا أفتى ابنه بمسألة -نسيتها- فكأن الابن توقف، فقال: إما أن تفعل وإلا أفتيتك بقول فلان الذي هو أشد من القول الأول، مما يدل على أن السياسة؛ سياسة الناس في الأمور الشرعية لا بأس بها.