وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن الغضب ثلاث درجات: أولى، ووسطى، وعليا؛ أما الدرجة العليا، قال: فلا يقع فيها الطلاق بالاتفاق، العليا، والعليا هي أن يصل الإنسان إلى درجة لا يدري ما يقول، ولا يدري أهو إنسان أو ملك، ولا يدري أهو في السماء أو الأرض، ولا يدري هل الزوجة زوجة أو سيارة. يعني يفقد شعوره بالكلية. وهل يقع هذا ولَّا ما يقع؟ يقع، بعض الناس عصبي، يصل به الغضب إلى هذه الدرجة. يقول ابن القيم: هذا لا يقع طلاقه بالاتفاق.
فالدرجة العليا من الغضب لا يقع فيها الطلاق، الدرجة الأولى أول ما يبدأ به الغضب يقول: إن الطلاق يقع فيها بالاتفاق؛ لأنه لا يخلو أحد من الغضب، ولو قلنا بأن طلاق الغضبان -ولو يسيرًا- لا يقع لحصلت الفوضى في الطلاق.
الدرجة الثانية هي الدرجة الوسطى: الإنسان يعي ما يقول، ويدري أنه في الأرض، ويدري أنه يخاطب زوجته، لكن الغضب لشدته ألجأه إلى أن يطلق. فهذا فيه خلاف: من العلماء من يقول: إنه لا يقع الطلاق، ومنهم من يقول: إنه يقع الطلاق. أي القولين أخذ به المؤلف؟ أنه يقع أو لا يقع؟ يقع.
هذا محل خلاف بين العلماء، فمنهم من يقول: إن هذا ملجأ إلى الطلاق، فلا طلاق عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ»(١١)، وهذا مغلق عليه، وجد من نفسه أن شيئًا يضغط عليه ليطلق، وأنه في حال لا يتحمل البقاء مع زوجته، وإلا هو يعي ما يقول. فهذا محل خلاف؛ من العلماء من يقول: إنه لا يقع طلاقه، ومنهم من يقول: إنه يقع.
على كل حال هذا محل خلاف بين العلماء، والذي يظهر لي أنه لا يقع الطلاق فيه، كما هو اختيار ابن القيم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من العلماء، واستدلوا بالحديث الذي ذكرته لكم، وهو:«لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ». فهو نظريًّا هو القول الراجح؛ لأنه كالْمُكرَه، لكن عمليًّا وتربويًّا، هل نقول بالفتوى به، أو نمنع الفتوى به إلا في حالات معينة نعرف فيها صدق الزوج؟