أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة (٧)، ومن حرص أبي هريرة رضي الله عنه على العلم بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم له حين قال له: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال:«لَقَدْ ظَنَنْتُ أَلَّا يَسْأَلَنِي أَحَدٌ عَنْ هَذَا غَيْرُكَ؛ لِمَا أَرَى مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ» ثم قال: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»(٢١). المهم أنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يسكت بين التكبير والقراءة، ومعلوم أن الصلاة ذكر كلها، ما من شيء منها إلا وفيه ذكر قولي وفعلي، وما من أمر مشروع فيها من الأفعال إلا وله ذكر، كل الأفعال التي فيها مشروعة لها ذكر، علم أنه لا بد أن يقول شيئًا، فقال: أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ وكلمة (ما تقول) تدل على أنه كان يعتقد أنه يقول شيئًا؛ لأنه لم يقل: هل أنت ساكت؟ قال:«أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»(٧)، فسأل الله أن يباعد بينه وبين خطاياه كما يباعد بين المشرق والمغرب، وهذا -أعني المباعدة بين المشرق والمغرب- هو غاية ما يبالغ فيه الناس، فالناس يبالغون في الشيئين المتباعدين إما بما بين السماء والأرض وإما بما بين المشرق والمغرب.
ومعنى باعد بيني وبينها هل المراد باعد بيني وبين فعلها بحيث لا أفعلها، أو باعد بيني وبين عقوبتها؟