ولكن القول الصحيح أنه لا يصح أن يشترط الأب شيئًا من مهر ابنته لنفسه، وأن ذلك حرام عليه؛ لأنه قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أن كل ما اتُّفق عليه من شرط أو عدة قبل العقد فهو للزوجة، ثم هو ظاهر القرآن:{آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا}[النساء: ٤] فجعل التصرف لمن؟ للزوجة.
ولأننا لو أجزنا هذا لحصل التلاعب العظيم والخيانة الكبرى، وصار الرجل لا يُزوِّج ابنته إلا من يشترط له أكثر، خطب منه رجل كفء، رجل صالح طيب، قال: أُزوجك بنتي، كم تعطيني من مهر؟ قال: أعطيك عشرة آلاف، قال: خمسة لي وخمسة لها. قال: لا، ألف لك، والباقي لها، قال: ما أزوجك.
جاء إنسان خاطب آخر وقال له: زوِّجني قال: ما فيه مانع، المهر عشرة آلاف، بشرط تعطيني خمسة ولها خمسة، قال: لا، بعطيك ألفين، قال: لا. كم راح من الخطاب؟ اثنان. جاء ثالث وخطب، قال: ما فيه مانع، المهر كم؟ عشرة. كم تعطيني؟ قال: ثلاثة، قال: لا، أعطني خمسة، قال: لا، ما أعطيك إلا ثلاثة، وساب أهل البنت، كم راح؟ ثلاثة. وجاء الرابع، وجاء الخامس، الخامس يمكن تواضع قال: أعطيك خمسة، الخامس زوجه، وربما أنه أسوأ خلقًا من الأولين أو أقل دينًا، فلو أنه فُتح هذا الباب لتلاعب الآباء بالبنات. فالصواب أنه لا يصح الشرط، وأنه لو فُرض أن الزوج وافق على ألف لها وألف لأبيها فكلا الألفين لها، والأب لا نعطيه شيئًا.
فإن قال قائل: بماذا تجيبون عن استدلالهم بقولهم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»(٥)؟
نجيب بأن الرسول قال:«أَنْتَ وَمَالُكَ». والمهر إلى الآن لم يكن مالًا للبنت، حتى الآن إذا ملكته البنت وأُعطي إياها فله أن يأخذ منها شيئًا، أما وهو عند الزوج ما بعد صار ملكًا لها فبطل استدلالهم بالحديث، وَصَفَى الاستدلال بالآيات:{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}[النساء: ٤].