للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

النبيِّ (ص) (١) .

٣٣١ - وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ حمَّاد ابن سَلَمة (٢) ، عَنِ الحجَّاج بْنِ أَرْطاةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بنِ عُمَير، عَنِ المُستَورِدِ العِجْليِّ؛ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا انصَرَفَ أحدُكُم مِنَ الصَّلاة، فَلا يَسْتَدِيرُ كَمَا يَسْتَدِيرُ (٣)

الحمارُ؛ يَرَى حَتْمًا عَلَيْهِ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ يَمينِه! لقد رأيتُ رسول الله (ص) يَنصَرِفُ عَنْ يَمينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ؟


(١) قال الدارقطني في "العلل" (١١/٣٢٨) : «يرويه أبو نَعامَة، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أبي سعيد، حدَّث به حماد ابن سلمة، والحجاج بن الحجاج، وأبو عامر الخَزَّاز، وعمران القطان. وروي عَنْ أَيُّوبَ السَّختياني، عَنْ أَبِي نَعامَة، مرسلاً، ومن قال فيه: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هريرة، فقد وهم، والصَّحيح: عن أيوب؛ سمعه من أبي نعامة، ولم يحفَظ إسناده فأرسله، والقول قول من قال: عن أبي سعيد» .
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (١٥١٦) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رجل حدثه؛ عن أبي سعيد الخدري، به، مرفوعًا. وأخرجه البيهقي في "السنن" (٢/٤٠٣) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، به، مرفوعًا.
(٢) روايته أخرجها الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/١٢١ رقم١٠١٦٥) .
(٣) كذا في جميع النسخ، عدا (ك) ففيها: «فلا يَستَدبر كما يستدبر» بالباء الموحَّدة.
وما أثبتناه يخرَّج على أن «لا» فيه نافيةٌ بمعنى النهي، ولو كانتْ ناهيةً لفظًا ومعنًى، لَجُزِمَ الفعلُ وقيل: «فلا يَسْتَدِرْ» .
والنفي بمعنى النَّهي من باب مجيء الخبر بمعنى الطلب، والمعنى هنا: «فلا ينبغي، أو لا يجوز، أو لا يصحُّ أن يَسْتديرَ كما يَسْتديرُ الحمار» ، ولا يجوز أن يكونَ هنا نفيًا محضًا على بابه؛ لما يُرَى بالمشاهدة من مخالفة كثيرين، بالتزامهم الاستدارةَ والانصرافَ عن اليمين. وعلى ذلك فارتفاعُ الفعل بعد «لا» على أنها نافيةٌ، والمعنى على النهي.
والنفيُ بمعنى النهي أبلغُ من صريح النَّهْيِ - كما أنَّ قوله: «رَحِمَهُ اللهُ» ، و «يرحَمُهُ الله» : أبلغُ من: «اللهمَّ ارحَمْهُ» - لأنَّه كالواقع بالامتثال لا محالة؛ قال العيني في الكلام على حديث: «لا تُشَدُّ الرحالُ إلا إلى = = ثلاثة مساجد» : «ونكتةُ العدولِ عن النهي إلى النفي: لإظهار الرغبةِ في وقوعه، أو لحملِ السامع على التركِ أبلغَ حملٍ بألطفِ وجه» . اهـ. من "عمدة القاري" (٦/٩٧) .
ومن مجيء النفي بمعنى النهي أيضًا: قوله تعالى: [البَقَرَة: ٨٣] {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَاّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} .
ولذلك أمثلةٌ كثيرةٌ جِدًّا في القرآنِ وقراءاتِهِ، والحديثِ ورواياتِهِ، وكلام العرب شعرًا ونثرًا. وقد تعرَّض الأصوليون والبلاغيون لمجيء الخبر المُثْبَتِ بمعنى الأمر، والخبر المنفيِّ بمعنى النهي، وذكروا فوائد ذلك والأغراضَ المقصودة منه. وانظر: "شرح النووي على مسلم" (١٦/١٧٠) ، و"البحر المحيط" للزركشي (٢/١٠٥-١٠٦) ، و"مرقاة المفاتيح" (١/٢٦٣) ، (٢/١٤٨، ٤٣٠- ٤٣١) ، وغيرها، و"فيض القدير" (١/٢٣٨، ٢٩٣، ٣٩١، ٤٣٥) ، (٥/٣٤) ، وغيرها، و"عمدة القاري" (١١/٢٥٩) وغيره، و"الديباج" (٥/٥٤٠) ، و"حاشية السندي على النسائي" (١/١٩٨) ، (٢/٣٧، ١١٦) وغيرها، و"تحفة الأحوذي" (٢/٢٨٦) ، (٣/٤١٤) ، وانظر: "إعراب الحديث النبوي" للعكبري (ص٢٠٢- ٢٠٣) ، و"عقود الزبرجد" للسيوطي (١/٣٨٢- ٣٨٣) ، (٣/٢٢، ٦٩، ٨٧، ١٢٩- ١٣٠) ، و"النحو الوافي" (٤/٤١٢) ..

<<  <  ج: ص:  >  >>