للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

أحدُها (١) : فِي لَيْلَةِ القَدر: تَحَرَّوْها (٢) فِي السَّبْع الأَواخر (٣) .

وأنَّ الناسَ كانوا في صَلاة الصُّبْحِ ووجوهُهُم إِلَى الشَّام، فأتاهُم آتٍ: أنَّ رسولَ الله (ص) (٤) نُزِّلَ عليه قرآنًا (٥) ،

وأُمِرَ أن يَسْتقبِلَ الكعبةَ؛


(١) في (ت) و (ك) : «أحدهما» .
(٢) في (ك) : «تحدوها» .
(٣) أخرجه مسلم (١١٦٥) من طريق مالك، عن عبد الله بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وأخرجه البخاري (٢٠١٥ و٦٩٩١) من طريق نافع وسالم، ومسلم (١١٦٥) من طريق نافع، كلاهما عن ابن عمر.
(٤) في (ت) و (ك) : «أن النبي (ص) » .
(٥) لك في ضبط هذه العبارة وجهان:
الوجه الأوَّل: «أنَّ رسول الله (ص) نَزَّلَ عليه قرآنًا، وأَمَرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكعبةَ» بإضمار فاعل «نَزَّلَ» ، وهو عائدٌ على الله تعالى، و «أمَرَ» : فعلٌ مبنيٌّ للفاعل كـ «نَزَّلَ» ، ومفعوله محذوفٌ تقديرُهُ: وأمَرَهُ أَنْ يَسْتقبِلَ الكعبةَ؛ ويشهد لهذا الوجه رواية البخاري (٤٤٨٨) ، ففيها: «إذ جَاءَ جاءٍ، فقال: أَنْزَلَ اللهُ على النبيِّ (ص) قرآنًا: أنْ يَسْتقبِلَ الكعبةَ» .
والوجه الثاني: «أنَّ رسولَ اللهِ (ص) نُزِّلَ عليه قرآنًا، وأُمِرَ أَنْ يَسْتقبِلَ الكعبةَ» - كما أثبتناه في كلام المصنِّف - فـ «نُزِّلَ» : مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، ويتخرَّج ما بعده على إنابة الجار والمجرور - وهو «عليه» - مُنَابَ الفاعل، و «قرآنًا» : مفعولٌ به لـ «نُزِّلَ» منصوبٌ؛ وهذا جائزٌ على مذهب الكوفيين وابن مالك وأبي عُبَيْد، حيث يجيزون إقامة غير المفعول به نائبًا للفاعل - مع وجود المفعول به - مطلقًا؛ سواءٌ تقدَّم المفعول أو تأخَّر؛ فيقولون: ضُرِبَ زيدًا ضربٌ شديدٌ، وضُرِبَ ضربٌ شديدٌ زيدًا. وكذلك في الظرف والجار والمجرور؛ واستدلوا بقراءةِ أبي جعفر المدني والأعرج وشيبة وعاصم: {لِيُجْزَى [الجَاثيَة: ١٤] {لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ، وقراءة أبي جعفر وشيبة وابن السميفع: {وَيُخْرَجُ ّ ِ ُ َ ِ [الإسرَاء: ١٣] {يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا} . ولهم أيضًا شواهد من الشعر.
ولو أُنِيبَ المفعولُ به في هذا، لقيل: لِيُجْزَى قومٌ بما كانوا يكسبون، ويُخْرَجُ له يَوْمَ القيامةِ كتابٌ، والأخفش يجيز ذلك إذا تقدَّم غير المفعول به عليه، فتقول: ضُرِبَ في الدار زيدٌ، وضُرِبَ في الدار زيدًا. وإنْ تقدَّم المفعولُ به على غيره، تعيَّنتْ إنابتُهُ عنده؛ نحو: ضُرِبَ زيدٌ في الدار، ولا يجوز: ضُرِبَ زيدًا في الدار، ولكنَّ الأخفش محجوجٌ بما احتج به الكوفيون من قراءة أبي جعفر ومَنْ معه.
وأما البصريون - ما عدا الأخفش - ومن وافقهم فلا يُجيزون إقامة المفعول به نائبًا للفاعل مع وجود المفعول به، مطلقًا؛ سواءٌ تقدَّم المفعول به أو تأخَّر. = = وما ورد من ذلك من الشواهد فإنه عندهم شاذ وضرورة إن كان في الشعر، ومؤوَّلٌ إذا وقع في النثر. فيقولون: إنَّ نائب الفاعل في مثل هذا هو ضمير المصدر المفهوم من الفعل، وليس الجارَّ والمجرور ونحوه مما سوى المفعول به؛ ففي الىية قالوا: التقدير: لِيُجْزَى هو - أي: الجزاءُ - قومًا بما كانوا يكسبون.
وفيما نحو حديثنا: التقدير: نُزِّلَ هو - أي: التنزيل - عليه قرآنًا.
وقد ردَّ تأويلهم السمين الحلبي في "الدر المصون". وقد خطَّأ بعض العلماء هذا الأسلوب في العربية، منهم ابن جِنِّي في "الخصائص" (١/٣٩٧-٦٩٨) ، وهو محجوجٌ بقوله في "المحتسب" (١/٢٣٦) - وهو من آخر ما ألَّف -: «ليس ينبغي أن يُطْلَقَ على شيء له وَجْهٌ من العربيَّةِ قائمٌ - وإنْ كان غيرُهُ أقوى منه -: أنَّه غَلَطٌ» . اهـ. ومنهم الفراء وابن جرير الطبري، وقد لحن بعضهم أبا جعفر وغيره في القراءة المذكور، والقراءة سنة متبعة. ... إذا تقرَّر ذلك: فما وقع عندنا في النسخ صحيحٌ ومتَّجِهٌ على مذهب الأخفش أيضًا؛ لتقدُّم النائب على المفعول به «نُزِّلَ عليه قرآنًا» .
ويؤيد تخريجنا ما في النسخ على هذا الوجه الثاني رواية البخاري (٤٠٣) و (٤٤٩٠) وغيرها، وفيها: «إنَّ رسول الله (ص) قد أُنْزِلَ عليه الليلة قرآنٌ» .
انظر: "اللباب، في علل البناء والإعراب" (١/١٥٨- ١٦١) ، و"التبيين" للعكبري (ص٢٦٨) ، و"شواهد التوضيح" (ص٢٢٦- ٢٢٧ مبحث رقم ٥٧) ، و"شرح شذور الذهب" (ص١٩٢- ١٩٣) ، و"أوضح المسالك" (٢/١٢٣- ١٣٥) ، و"شرح ابن عقيل" (٢/٤٦٠- ٤٦٣) ، و"شرح الأشموني" (٢/١٣٦- ١٣٨) ، و"همع الهوامع" (١/٥٨٥- ٥٨٦) ، و"خزانة الأدب" (١/٣٢٩- ٣٣٠) ، و"البحر المحيط" (٦/٣١١) ، و"الدر المصون" للسمين الحلبي (٩/٦٤٥- ٦٤٦، ووقع فيه وهَمٌ في تحرير مذهب الأخفش؛ فقد جعلَهُ كمذهب الكوفيين بلا فرق) ، و"أضواء البيان" (٤/٢٤٥) ، و"معجم القراءات" لعبد اللطيف الخطيب (٥/٢٦- ٢٨) ، (٨/٤٥٥- ٤٥٧) .

<<  <  ج: ص:  >  >>