قَالَ أَبِي: لا أعرِفُه من حَدِيث يزيد، والذي عِنْدِي: أَنَّهُ دخلَ لَهُ حديثٌ فِي حَدِيث؛ حدَّثنا أَبُو صَالِحٍ (٤) ؛ قَالَ: حدَّثنا اللَّيْث، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَير، عَنْ أَبِي الطُّفَيل، عَن مُعاذ بن جبل، عن النبيِّ (ص) ... بهذا الحديثِ (٥) .
(١) نقل هذا النص ابن الملقن في "البدر المنير" (٣/٣١٩/مخطوط) ، وابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢/١٠٢) . (٢) هو: ابن سعيد. (٣) قوله: «أبي» سقط من (ف) . (٤) هو: عبد الله بن صالح كاتب الليث. (٥) هذا الحديث في الأصل يرويه أبو الزبير محمد بن مسلم ابن تَدْرُس المكِّي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل ح: أنهم خرجوا مع رسول الله (ص) عام تبوك، فكان رسول الله (ص) يجمعُ بين الظُّهر والعصر، والمغرب والعشاء ... ، الحديث. أخرجه مالك في "الموطأ" (١/١٤٣ رقم٣٢٨) عن أبي الزبير. ومن طريق مالك أخرجه أحمد في "المسند" (٥/٢٣٧-٢٣٨ رقم٢٢٠٧٠) ، ومسلم في "صحيحه" بعد الحديث رقم (٢٢٨١) . وتابع مالكًا على روايته هكذا عن أبي الزبير: سفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وقُرَّة بن خالد، وعمرو بن الحارث، وأشعث بن سوَّار، وزيد بن أبي أنيسة: أما رواية سفيان الثوري: فأخرجها عبد الرزاق في"المصنف" (٤٣٩٨) ، وأحمد في "المسند" (٥/٢٣٠ و٢٣٦ رقم٢٢٠١٢ و٢٢٠٦٢) ، وابن ماجه في "سننه" (١٠٧٠) . وأما رواية قُرَّة وزهير: فأخرجها مسلم في "صحيحه" (٧٠٦) . وأما رواية عمرو بن الحارث، وأشعث بن سوَّار، وزيد بن أبي أنيسة: فأخرجها الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/٥٨-٥٩ رقم١٠٤ و١٠٦ و١٠٧) . ورواه أيضًا عن أبي الزبير: هشام بن سعد، وعنه حماد ابن خالد، والليث بن سعد - واختُلِفَ على الليث -: أما رواية حماد بن خالد: فأخرجها الإمام أحمد في "المسند" (٥/٢٣٣ رقم ٢٢٠٣٦) من طريقه؛ حدثنا هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطفيل، عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كَانَ النبي (ص) في غزوة تبوك لا يروح حتى يُبرد، يجمع بين الظُّهر والعصر، والمغرب والعشاء. وهذه الرواية موافقة لرواية الآخرين، وما فيها من زيادة الإبراد ليس له أثر. وأما الليث بن سعد: فروى الحديث عنه أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب اللَّيْثِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ كرواية حماد بن خالد والجماعة، إلا أنه قال: ثم ينزل إذا أمسى فيجمع بين المغرب والعِشاء. أخرج رواية عبد الله بن صالح هذه: الطبراني في الموضع السابق برقم (١٠٣) ، وهي التي أخرجها أبو حاتم الرازي هنا، إلا أنه لم يَسُق متنها. وخالف هؤلاء كلهم يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله ابن مَوْهَب، فأخرج أبو داود في "سننه" (١٢٠٨) هذا الحديث من طريقه؛ حدثنا المفضل بن فضالة والليث ابن سَعْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطفيل، عَن معاذ بْن جبل: أن رسول الله (ص) كان في غزوة تبوك، إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن يرتحلْ قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك: إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن يرتحلْ قبل أن تغيب الشمس أخَّر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثم جمع بينهما. كذا جاء في "سنن أبي داود": «حدثنا المفضل بن فضالة والليث» ! وقد أخرجه البيهقي في "سننه" (٣/١٦٢) من طريق أبي داود؛ ثنا يزيد بن خالد بن عبد الله ابن مَوْهَب الرملي؛ ثنا المفضل بن فضالة، عن الليث ... فذكره. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١/٣٩٢ رقم١٣) من طريق أبي داود، فقال: «ثنا المفضل بن فضالة، وعن الليث» ، وعلق العظيم آبادي على هذا الموضع من "سنن الدارقطني" بقوله: «قوله: وعن الليث بن سعد: هكذا في بعض النسخ بإثبات الواو، وفي بعض النسخ بإسقاطها، وهو الصحيح» . وقال الدارقطني عقب إخراجه لهذه الرواية: «حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي، ثنا جعفر بن محمد القلانسي، ثنا يزيد بن موهب، ثنا اللَّيْثِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، بهذا نحوه، ولم يذكر فيه المفضل بن فضالة» . ومما سبق - مع ما يأتي نقله عن الدارقطني في "العلل" - يرجح أن الصواب: رواية يزيد بن خالد، عن المفضل، عن الليث؛ بهذا المتن الذي خالف فيه جميع الرواة بذكر جمع التقديم، ولعل هذا الطريق هو الذي أوقع قتيبة بن سعيد في الوهم؛ فروى هذا = = الحديث بهذا اللفظ عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الطفيل، عن معاذ، مع أن الليث يرويه عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أبي الزبير كما تقدم. وقد كثر انتقاد الأئمة لرواية قتيبة هذه مع جودة إسنادها؛ فأعلَّها أبو حاتم كما هنا، وذكرَ الحاكمُ في "معرفة علوم الحديث" (ص١١٩-١٢١) هذا الحديثَ مثالاً للشاذ، فقال بعد أن أخرجه: «هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن، لا نعرف له علَّة نعلِّله بها، ولو كان الحديث عند اللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أبي الطفيل؛ لعلَّلنا به الحديث، ولو كان عند يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أبي الزبير؛ لعلَّلنا به، فلما لم نجد له العِلَّتين؛ خرج عن أن يكون معلولاً، ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عند أحد ممن رواه عَن معاذ بْن جبل، عَنِ أبي الطفيل، فقلنا: الحديث شاذ..» ، ثم ذكر بعضَ الأئمة الذين رووه عن قتيبة؛ كأحمد بن حنبل، وعلي ابن المديني، ويحيى بن معين، وغيرهم، ثم قال: «فأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجُّبًا من إسناده ومتنه، ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أنه ذكر للحديث علَّة، وقد قرأ علينا أبو علي الحافظ هذا الباب وحدثنا به عن أبي عبد الرحمن النسائي وهو إمام عصره، عن قتيبة بن سعيد، ولم يذكر أبو عبد الرحمن ولا أبو علي للحديث علَّة، فنظرنا فإذا الحديث موضوع، وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون» ، ثم أسند الحاكم عن البخاري أنه قال: «قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدايني» . قال البخاري: «وكان خالد المدايني يُدخل الأحاديث على الشيوخ» . وذكر البيهقي في "السنن" (٣/١٦٣) كلام البخاري هذا، ثم قال: «وإنما أنكروا من هذا رواية يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أبي الطفيل، فأما رواية أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي الطفيل؛ فهى محفوظة صحيحة» . وقال الترمذي في "جامعه" (٥٥٤) : «وحديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة، لا نعرف أحدًا رواه عن الليث غيره، وحديث اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الطفيل، عَن معاذ حديث غريب، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطفيل، عن معاذ: أن النبي (ص) جمع في غزوة تَبوك بين الظُّهر والعصر، وبين المغرب والعِشاء» . وأخرج أبو داود في "سننه" (١٢٢٠) حديث قتيبة بن سعيد هذا، ثم قال: «ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحدَه» . وقال المنذري في "مختصر السنن" (٢/٥٣) : «وقد حُكي عن أبي داود أنه أنكره» ، وقال أيضًا: «وقد حُكي عن أبي داود أنه قال: ليس في تقديم الوقت حديث قائم» . وقال المنذري أيضًا (٢/٥٧) : «وقال أبو سعيد بن يونس الحافظ: لم يحدِّث به إلا قتيبة، ويقال: إنه غلط، وأن موضع يزيد بن أبي حبيب: أبو الزبير» . وسئل الدارقطني في "العلل" (٩٦٥) عن هذا الحديث، فذكر الاختلاف فيه، وذكر رواية قتيبة هذه، ثم قال: «كذلك حدث به جماعة من الرفعاء عن قتيبة، ورواه المفضل بن فضالة عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أبي الطفيل، عن معاذ، بهذه القصة بعينها، وهو أشبه بالصَّواب، والله أعلم. وعند هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطفيل، عَن معاذ، الحديث الآخر في الجمع بين الصلاتين في السفر» . اهـ. وقال ابن حجر في "فتح الباري" (٢/٥٨٣) : «وقد أعلَّه جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث ... ، وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل أخرجها أبو داود من رواية هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزبير، عن أبي الطفيل، وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير؛ كمالك، والثوري، وقرَّة بن خالد، وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم» . اهـ.