قال الجويني في مسألة (تعقب الاستثناء جملاً معطوفة بعضها على بعض): "وذكر الأصوليون آية القذف مثالاً مفروضًا لإيضاح المذهبين، وترجيح أحدهما على الثاني، وهو قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} إلى قوله: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: ٤ - ٥].
رأى الشافعي صرف (إلا) في قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} إلى ما أمكن من الجمل المتقدمة، ومنها قوله تعالى:{وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا}.
وخصص أبو حنيفة معنى هذا الاستثناء بنبذ الفسق والتسمية به، فالقذفة فسقة إلا من تاب، فيسقط عنه بظهور التوبة اسم (الفسق)(١) " (٢).
ثم قال بعد أن ذكر اختياره في المسألة:"وأما آية القذف فإنها خارجة عن القسمين جميعًا على ما سنوضحه الآن قائلين: قوله تعالى: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} حكم في جملة، وقوله تعالى:{وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} في حكم التعليل لحكم الجملة المتقدمة؛ فإن الشهادة في أمثال هذه المحال بالفسق ترد، فإذا تاب رفعت التوبة علة الرد، وانعطف أثرها على الرد لا محالة، فكأنه تعالى قال:{وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} لأنهم فاسقون إلا الذين تابوا ... "(٣).
(١) يُنظر: التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (١/ ٧٠ - ٧٢)؛ المنار للنسفي وشرحه فتح الغفار (ص: ٣٣٢ - ٣٣٣)؛ تيسير التحرير (١/ ٣٠٢)؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت (١/ ٣٣٢). (٢) البرهان (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠). (٣) المرجع السابق (١/ ٣٩٤).