ولا يقول أحد: إن الظن المستفاد من العموم أقوى، ثم يقول: القياس تخصيص أو بالعكس، ولا خلاف بين العقلاء أن أرجح الظنين عند التعارض معتبر، والوقوف عند المستوي ضروري، إنما الشأن في بيان الأرجح ماهو؟ ففريق قالوا: إن الأرجح العموم؛ فلا يخص بالقياس، وهو الإمام في المعالم (١). وقوم قالوا: الأرحج القياس؛ فيخص العموم. والقولان عن الأشعري كما حكاه القاضي في التقريب (٢)" (٣).
• مثال تحرير محل الخلاف:
قال ابن السبكي في مسألة (تخصيص العموم بمذهب الراوي): "اضطرب النظر في أنه هل صورة هذه المسألة مخصوصة بما إذا كان الراوي صحابيًا، أم الأمر أعم من ذلك؟
الذي صح عندي وتحرر: أن الأمر أعم من ذلك؛ ولكن الخلاف فيمن ليس بصحابي أضعف، فليكن القول في المسألة هكذا:
إن كان الراوي صحابيًا، وقلنا: قول الصحابي حجة؛ خص على المختار. قال القاضي في مختصر التقريب (٤): وقد يُنسب ذلك إلى الشافعي في قوله الذي يقلد الصحابي فيه، ونقل عنه: أنه لا يخصص به إلا إذا نشر في أهل العصر ولم ينكروه، وجعل ذلك نازلاً منزلة الإجماع.
وإن قلنا: قوله غير حجة؛ ففيه الخلاف المتقدم.
وإن كان غير صحابي ترتب الخلاف على الصحابي، فإن قلنا: لا يخصص بقول الصحابي الراوي؛ لم يخصص بقول الراوي الذي ليس بصحابي جزمًا، وإن قلنا:
(١) (٢/ ٣٨١). (٢) (٣/ ١٩٥). (٣) البحر المحيط (٣/ ٣٤٩). (٤) (٣/ ٢٠٩).