وقد وهم من نسب أبا جَمْرة إليهم من شراح البُخَاريّ، فقد روى الطبراني وابن مَنْده في ترجمة نوح بن مَخْلد جد أبي جَمرة أنه قدم عَلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له:"ممن أنت؟ فقال: من ضُبَيْعَة ربيعة، فقال: خير ربيعة عبد القَيْس، ثم الحي الذين أنت منهم"(١).
قوله:(كنت أقعد مع ابن عباس) بَيَّن المصنف في العلم من رواية غُنْدَر عن شُعْبَة السبب في إكرام ابن عباس له، ولفظه:"كنتُ أُتَرْجِم بين ابن عباس وبين الناس".
قَالَ ابن الصلاح: أصل الترجمة: التعبير عن لغة بلغة، وهو عندي هنا أعم من ذَلِكَ، وأنه كانَ يبلغ كلام ابن عباس إلَى من خفي عليه، ويبلغه كلامهم إما لزحام أو لقصور فهم.
قُلْت: الثاني أظهر؛ لأنه كَانَ جالسًا معه عَلى سريره، فلا فرق في الزحام بينهما، لكن أبو جَمرة قالوا كانَ يعرف الفارسية، فكان يترجم لابن عباس بها.
قَالَ القرطبي: فيه دليلٌ عَلى أن ابن عباس كَانَ يكتفي في الترجمة بواحد.
قُلْت: وقد بوب عليه البُخَاريّ في أواخر كتاب الأحكام، واستنبط منه ابن التين جواز أخذ الأجرة عَلى التعليم لقوله:"حَتَّى أجعل لك سهمًا من مالي".
قوله:(ثم قَالَ: إن وفد عبد القيس) بَين مُسْلِم (٢) من طريق غُنْدَر، عن شُعْبَة السبب في تَحديث ابن عباس لأبي جَمْرة بهذا الحديث، فقال بعد قوله:"وبيْنَ الناس": "فأتت امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فنهى عنه، فقلتُ: يا أبا عباس، إني أنتبذ في جرة خضراء نبيذًا حلوًا فأشربُ منه فيقرقر بطني، قَالَ: لا تشرب منه وإن كَانَ أحلى من العسل".
وللمصنف في أواخر المغازي من طريق قُرَّة، عن أبي جَمْرة قَالَ:"قُلْت لابن عباس: إن لي جَرَّة أنتبذُ فيها فأشربه حلوًا، إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيتُ أن أفتضح، فقال: قدم وفد عبد القيس. . . ."(٣).
(١) أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧١٢٢). (٢) كذا قَالَ الحافظ، والصحيح: أن الَّذِي أخرجه النّسَائي في "السنن" (كتاب الأشربة، باب: ذكر الأخبار الَّتِي اعتل بِها من أباح شراب المسكر) (٨/ ٣٢٢). (٣) "صحيح البُخَاريّ" (كتاب المغازي، باب: وفد عبد القيس) برقم (٤٣٦٨).