وسقط من هذه الرواية إيراد تقدير السؤال العاشر والَّذِي بعده وجوابه، وقد ثبت الجميع في رواية المؤلف الَّتِي في الجهاد (١)، وسيأتي الكلام عليه ثَمَّ إن شاء الله تعالَى.
* فائدة:
قَالَ المَازِري: هذه الأشياء الَّتِي سأل عنها هرقل ليست قاطعة عَلى النبوة، إلا أنه يحتمل أنها كانت عنده علامات عَلى هذا الشيء بعينه، لأنه قَالَ بعد ذلِكَ:"قد كنت أعلم أنه خارج، ولم كن أظن أنه منكم"، وما أورده احتمالًا جزم به ابن بَطَّال، وهو ظاهر.
قوله:(فذكرت أنه يأمركم) ذكر ذَلكَ بالاقتضاء، لأنه ليس في كلام أبي سفيان [٣٩/أ] ذكر الأمر بل صيغته.
وقوله:(وينهاكم عن عبادة الأوثان) مستفاد من قوله: "ولا تشركوا به شيئًا واتركوا مما يقول آباؤكم"؛ لأن مقولهم الأمر بعبادة الأوثان.
قوله:(لتجشمت) بالجيم والشين المعجمة، أي: تكلفت الوصول إليه، وهذا يدل عَلى أنه كَانَ يتحقق أنه لا يسلم من القتل إن هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستفاد ذَلكَ بالتجربة في قصة ضغاطر الَّذِي أظهر لَهم إسلامه فقتلوه، لكن لم يفطن هرقل لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الكتاب إليه:"أسلم تَسْلَم"، وحمل الجزاء عَلى عمومه في الدُّنْيَا والآخرة لو أسلم لسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق بيد الله -سبحانه وتعالى-.
وقوله:(لغسلت عن قدميه) مبالغة في العبودية له والخدمة، وفي رواية عبد الله بن شداد، عن أبي سفيان:"لو علمت أنه هو لمشيت إليه حَتَّى أقبل رأسه وأغسل قدميه"(٢)، وهي تدل عَلى أنه كَانَ بقي عنده بعض شك، وزاد فيها:"ولقد رأيتُ جبهته يتحادرُ عرقها من كرب الصحيفة"، يعني: لما قرئ عليه كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفي اقتصاره عَلى ذكر غسل القدمين إشارة منه إلَى أنه لا يطلب منه -إذا وصل
(١) "صحيح البخاري" (كتاب الجهاد، باب: دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس إلَى الإسلام) برقم (٢٩٤١). (٢) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (٢/ ١٨٧)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨/ ٢٣).