أقول: مما يجب على المكلف اعتقاد أن اللَّه أرسل الرسل من البشر إلى البشر (١) مبشرين، ومنذرين (٢).
وبدونهم لا يمكن الوصول إلى اللَّه، ولا يصح سلوك الطريق إليه، لأن العقل لا يقدر على إدراك أحوال يوم القيامة، والحشر، والنشر (٣).
(١) لقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} [الأنعام: ٩١]، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: ٤]، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٣]، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: ١١٠]، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ} [الأنبياء: ٢٥]، وغيرها من الآيات كثيرة. (٢) لقوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: ١٦٥]، {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: ٤٥]، {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ} [غافر: ١٨] وغيرها كثيرة. (٣) ولذا بعث اللَّه الرسل، وأقام الأدلة على صدقهم بما أجراه على أيديهم من المعحزات الظاهرات، وجعل من أركان الإيمان التصديق بذلك، وخالف في ذلك من لا عبرة بخلافة، وهم طوائف من الفلاسفة، وغيرهم فأنكروه، وأنكروا ما يترتب عليه من النشر، والحشر، والجنة، والنار، ومنهم البراهمة. والبعثة لتضمنها مصالح لا تحصى لطف من اللَّه تعالى، ورحمة يختص بها من يشاء من عباده من غير وجوب عليه خلافًا للمعتزلة، ولا عنه خلافًا للحكماء، وبعض المتكلمين ذهابًا إلى أن مقتضى الحكمة يجب أن يقع لامتناع السفه كالمعلوم وقوعه لامتناع الجهل. وزعم بعض الفلاسفة أن النبوة مكتسبة للعبد بمباشرة أسباب خاصة ويفسرونها بأنها صفاء، وتجل للنفس يحدث لها من الرياضات بالتخلي عن الأمور الذميمة، والتخلق =