يسمع الخبر أو سمعه ولم يثبت عنده ثقة ناقله. أو ثبت (١) عنده ثقته، ولكنه قد روي له ما يخالفه أو ظهر له قياس أبطله عنده، أو تأول لفظة على معنى غير ما تأوله عليه من أوجب. فإذا أمكن صرف إنكار الوجوب إلى أحد هذه المعاذير، لم يصح القطع على أن المنكر إنما أنكر الوجوب تكذيبًا للنبي صلى الله عليه وسلم. كيف وكل واحد من الفقهاء إذا أنكر وجوب شيء مما قلناه صرح مخبرًا عن نفسه أنه إنما أنكر ما أنكره (٢) لبعض الوجوه التي ذكرناها. والصلوات الخمس قد علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجبها علمًا ضروريًا، فلا ينصرف القول بأنها غير واجبة إلا إلى تكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم -. فلهذا كفر من أنكر وجوبها ولم يكفر الفقهاء بعضهم بعضًا فيما اختلفوا في وجوبه.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في تكفير من ترك الصلاة مع الاعتراف بوجوبها. فذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه ليس بكافر. وذهب أحمد بن حنبل وطائفة من أهل الحديث إلى أنه كافر تعلقًا بالحديث الوارد فيه أن بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة (٣).
ودليل الجماعة أن الدليل قد قام على أن الإيمان هو العلم بالله وملائكته ورسله والتصديق بذلك. وهذا من أفعال القلوب، والصلاة من أفعال الجوارح.
فلا يضاد ترك أفعال الجوارح هذه الأفعال التي في القلب. فإذا لم يكن بينهما تضاد وصح وجود الإيمان في القلب مع ترك الصلاة ولم يقم دليل قاطع على أن ترك الصلاة عَلَمٌ على الانسلاخ من الإيمان" فيثبت الكفر من هذه الجهة. وهذا دليل واضح في إبطال (٤) التكفير بذلك. وفي الحديث الثابت أن من لم يوف
(١) يثبت. (٢) ما أنكر -ق-. (٣) رواه مسلم عن جابر أن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. إكمال الاكمال ج ص ١٨٨. وروي بين الكفر والإيمان ترك الصلاة. وبين العبد والكفر ترك الصلاة. جامع الأصول ج ٥ ص ٢٠٣. (٤) انطلاق -و-.