وكما قدمنا أن منهج الشيخ هو منهج السلف الصالح، فإنه في إعراضه عن مبحث الوجود والاستدلال عليه، لأنه أمر مسلم به، ولأنه هو الدليل على توحيد العبادة المطلوب، والذي من أجله فقط أرسلت الرسل، فقد اتبع منهج كبار الأئمة في بيان التوحيد، وإقامة الأدلة عليه، مثل الإمام أبي حنيفة وغيره من أئمة المذاهب الأربعة الكبار.
قال ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة:" وقد أعرض الإمام عن بحث الوجود اكتفاء بما هو ظاهر في مقام الشهود، ففي التنزيل:{قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} فوجود الحق ثابت في فطرة الخلق كما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ويومىء إليه حديث: "كل مولود يولد على الفطرة".
وإنما جاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لبيان التوحيد، وتبيان التفريد، ولذا أطنفت كلمتهم وأجمعت حجتهم على كلمة: لا إله إلا الله، ولم يؤمروا بأن يأمروا أهل ملتهم بأن يقولوا: الله موجود، بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود ردا لما توهموا وتخيلوا حيث قالوا:{هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} و {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} .
على أن التوحيد يفيد الوجود مع مزيد التأييد. ثم العقائد يجب أن