وعنده نتخذ المنْزل، كلمتكم بهذا لأتي عندكم مقيم، والفارقليط روح القدس الذي يرسله أبي هو يعلمكم كلّ شيء / (٢/١٢٧/ب) وهو يذكركم كلّ ما قلت لكم، أستودعكم سلامي لا تقلق قلوبكم ولا تجزع فإني منطلق وعائد إليكم، لو كنتم تحبونني كنتم تفرحون بمضيي إلى الأب. فإن أنتم ثبتم فيّ ثبت كلامي فيكم كان لكم كلّ ما تريدون وبهذا يمجد أبي"١.
وقد شهد المسيح عليه السلام بأن محمّدا هو (روح القدس) ٢. كما شهد أوّلاً بأنه روح الله، وأن الله أرسله، وأنه يعلم الناس كلّ ما يحتاجونه إليه من أمر معاشهم ومعادهم، وأخبر تلاميذه أنهم إن ثبتوا على وصيته في تعظيم أمر هذا المخلّص الثاني والتزام أوامره واجتناب نواهيه والحثّ على اتباعه كان لهم ما أرادوا. نظير ذلك من الكتاب العزيز قوله تعالى:{وَلَو أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوا لَكَفَّرْنَا عَنْهُم سَيِّئَاتِهِم وَلأَدْخَلْنَاهُم جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُم أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِم لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِم وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} . [سورة المائدة، الآية: ٦٥-٦٦] .
قال المؤلِّف: إنه لما قربت مدة المسيح وانتهاء مقامه في الأرض ودنا رفعه منها حمَّل أصحابه هذه الأمانة ليؤدوها إلى من بعدهم. / (٢/١٢٨/أ) وكذلك فعل سائر الأنبياء والرسل كما نقلنا عنهم. ولهم في ذلك مقاصد:
١ يوحنا ١٤/٢٣-٣١. ٢ اعترض بعض علماء البروتستانت بشبهات على هذه البشارة. ذكرها الشيخ رحمة الله الهندي وردّ عليها. ومن تلك الشبهات: أنه جاء في هذه العبارة تفسير (فارقليط) بروح القدس وروح الحقّ وهما عبارتان. عن الأقنوم الثالث. فكيف يصحّ أن يراد بـ (فارقليط) محمّد صلى الله عليه وسلم؟!. وقد ردّ الشيخ رحمة الله الهندي على ذلك بجواب مفصل مقنع خلاصته: "وليس المراد بروح الله وروح الحقّ الأقنوم الثالث الذي هو عين الله على زعمهم كما هو ظاهر. فتفسير (فارقليط) بروح القدس وروح الحقّ لا يضرنا لأنهما بمعنى: (الواعظ) . كما أن روح الحقّ وروح الله بهذا المعنى في رسالة يوحنا الأولى فيصح إطلاقها على محمّد صلى الله عليه وسلم بلا ريب". اهـ. ر: إظهار الحقّ ص ٥٤٤-٥٤٥.