والوجه الثالث: المسيح كان عبراني اللسان، والعبرانيون يعتقدون قول التوراة في السفر الأوّل منها:"أن الله خلق آدم يشبهه"١. قولاً صحيحاً، فخاطبهم المسيح بما يفهمون، وإنما أرادت التوراة: أن الله حيّ عالم قادر، وقد أعطي آدم هذه الصفات من الحياة والعلم والقدرة، فكأنه يقول من رآني فقد رأى آدم، ومن رأى آدم فقد رأى الله، فحذف الواسطة.
١ سفر التكوين ١/٢٦، ٢٧، ونصّه: "وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا". قال الإمام ابن تيمية: "إن لفظ التوراة: "نصنع آم كصورتنا وشبهنا". وبعضهم يترجمه: "نخلق بشراً على صورتنا شبهنا) . والمعنى واحد. وهو كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم على صورته". (أخرجه البخاري. (ر: فتح الباري ٨/٤٣) ، ومسلم ٤/٢١٨٣، وأحمد ٢/٣١٥) . وفي رواية: "على صورة الرحمن". (أخرجه ابن أبي عاصم في السنة / ٢٢٨، ٢٢٩، والآجري في الشرعية ص ٣١٥، والبيهقي في الصفات ص ٢٩١، وصحّحه الإمامان: أحمد وابن راهويه. (ر: نقض التأسيس ٢/١٣٣، ١٤٠، المخطوط) - ثم قال - إن شبه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه، وذلك لا يقتضي التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيم يجب ويجوز ويمتنع. وإذا قيل: هذا حيّ عليم قدير، وهذا حيّ عليم قدير، فتشابها في مسمّى الحيّ والعليم والقدير، لم يوجب ذلك أن يكون هذا المسمّى مماثلاً لهذا المسمّى فيما يجب ويجوز ويمتنع؛ بل هنا ثلاثة أشياء: أحدها: القدر المشترك الذي تشابها فيه، وهو معنى كلّي لا يخصّ به أحدهما، ولا يوجد كلّيّ عامٌ مشترك إلاّ في علم العالم. والثاني: ما يختصّ به هذا، كما يختصّ الرّبّ به من الحياة والعلم والقدرة. والثالث: ما يختصّ به العبد من الحياة والعلم والقدرة. فمما اختصّ به الرّبّ عزوجل لا يشركه فيه العبد، ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي تجوز على صفات العبد، وما يختصّ به العبد لا يشركه فيه الرّبّ، ولا يستحق شيئاً من صفات الكمال التي يختصّ به الرّبّ عزوجل. وأما القدر المشترك كالمعنى الكلّيّ الثابت في ذهن الإنسان فهذا لا يستلزم خصائص الخالق ولا خصائص المخلوق، فالاشتراك فيه غير محذور. ولفظ التوراة فيه: "سنخلق بشراً على صورتنا يشبهنا". لم يقل: على مثالنا، وهو كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله تعالى خلق آدم على صورته". فلم تذكر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كموسى ومحمّد صلى الله عليه وسلم إلاّ لفظة (شبه) دون لفظ (مثل) . وقد تنازع الناس: هل لفظ الشبه والمثل بمعنىً واحدٍ أو معنيين؟ على قولين: أحدهما: أنهما بمعنىً واحدٍ، وأن ما دلّ عليه لفظ المثل مطلقاً ومقيداً يدلّ عليه لفظ الشبه. وهذا قول طائفة من النظار. والثاني: أن معناهما مختلف عند الإطلاق لغةً وشرعاً وعقلاً. وإن كان مع التقيد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر. وهذا قول أكثر الناس. فإن العقل يعلم أن الأعراض مثل الألوان تشتبه في كونها ألواناً مع أن السواد ليس مثل البياض. ومعلوم في اللغة أن يقال: هذا يشبه هذا وفيه شبه من هذا؛ إذ أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفاً له في الحقيقة. وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} . [سورة البقرة، الآية: ١٨٨] . فوَصَف القولين بالتماثل، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل. فإن القلوب وإن اشتركت في هذا القول فهي مختلفة لا متماثلة. (ر: للتوسع: الجواب الصحيح ٢/٢٣١-٢٣٤، شرح كتاب التوحيد ٢/٢٩-٩٨، للشيخ الغنيمان، وعقيدة أهل الرحمن في خلق آدم على صورة الرحمن - للشيخ حمود التويجري، نقض أساس التقديس ٢/١٣٣-١٤٢، للإمام ابن تيمية) .