﴿اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ اَلنّارِ﴾) (١)[آل عمران: ١٩١]، ولقد ذكر النبيّ ﷺ، خطبة قس بن ساعدة (٢) بعكاظ، وفيها قوله:«إنّ في السماء لخبرا، وإنّ في الأرض لعبرا».
ولقد طالعت الكتب الموضوعة في أحوال الأقاليم وما فيها، فلم أجد من بين (٣) أحوالها، ومثّل في [٣] الأفهام صورها، لأنّ غالب تلك الكتب لا تتضمّن سوى الأخبار القديمة، وأحوال الملوك السالفة، والأمم البائدة، وبعض مصطلحات ذهبت بذهاب أهلها، ولم يبق في مجرّد ذكرها عظيم فائدة، ولا كبير أمر، وخير القول أصدقه، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم.
فاستخرت الله تعالى في إثبات نبذة دالّة على المقصود في ذكر (الأرض وما فيها ومن فيها: الأظهر فالأظهر، والأشهر فالأشهر وما لم أجد بدّا من ذكره في ذلك ومثله، وحالة)(٤) كل مملكة، وما هي عليه، هي وأهلها في وقتنا هذا، مما ضمّه نطاق تلك المملكة، واجتمع عليه طرفا تلك الدائرة، لأقرّب إلى الأفهام البعيدة غالب ما هي عليه أمّ كلّ مملكة من المصطلح والمعاملات، وما يوجد فيها
(١) ما بين القوسين، استدرك في الحاشية بقلم تقي الدين محمد بن عبد اللطيف السبكي. (٢) قسّ بن ساعدة الإيادي: أحد حكماء العرب في الجاهلية، ومن كبار خطبائهم، كان أسقف نجران، ويقال إنه أول عربي خطب متوكئا على سيف أو عصا، وأول من قال في كلامه: «أما بعد»، وكان يفد على قيصر الروم زائرا فيكرمه ويعظمه، عمّر طويلا، وأدركه النبي ﷺ قبل البعثة ورآه في عكاظ، وسئل عنه بعد ذلك فقال: «يحشر أمة وحده». انظر ترجمته في البيان والتبيين ١/ ١٦٨، والأغاني ١٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧، مروج الذهب للمسعودي ١/ ٧٧، العقد الفريد ٢/ ١٥٦، معجم الشعراء للمرزباني ٢٢٢، البداية والنهاية ٢/ ٢٣٠، صبح الأعشى ١/ ٢١٢، الإصابة ٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠، خزانة الأدب ٢/ ٨٩ - ٩١، وانظر خطبته في مصادر ترجمته. (٣) في (ط): قنّن. (٤) ما بين القوسين، ساقط من الأصل، وأثبت في الحاشية بخط الحافظ تقي الدين السبكي.