هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (١)، ولكن نقاتل عن يمينك وشمالِك، وبين يديك، ومِن خلفِكَ. فَسُرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك وأجمَعَ على القتال (٢).
وبات تلك الليلة ليلة الجمعة سابعَ عشَرَ رمضانَ قائمًا يُصلّي ويبكي ويدعو الله ويستنصره على أعدائه.
وفي "المسند" عن علي بن أبي طالب، قال:"لَقَدْ رأيتُنا وما فينا إلا نائم، إلَّا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرةٍ يُصلِّي ويبكي حتَّى أَصْبَحَ".
وفيه (٣) عنه أيضًا، قال: أصَابَنَا طَشٌّ مِن مطرٍ، يعني ليلَةَ بدْرٍ، فانطلقنا تحت الشَّجَرِ والحَجَفِ (٤) نستظلُّ بها من المطرِ، وبات رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو رَبَّهُ، ويقول:"إن تُهْلِكْ هذه الفئةَ لا تُعْبَدْ"، فلمَّا أن طَلَعَ الفجرُ نادى: الصَّلاةَ عبادَ اللهِ، فجاء الناس من تحت الشَّجر والحَجَفِ، فصلَّى بنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وحثَّ على القتال.
وأَمَدَّ اللهُ تعالى نبيَّهُ والمؤمنين بنَصْرٍ مِن عندِه وبجندٍ من جندِه، كما قال تعالى:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}(٥).
وفي "صحيح البخاري"(٦) أن جبريلَ قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "ما تَعُدُّون أهْلَ بدْرٍ فيكم؟ قال: مِن أفْضَل المسلمين، أو كلمةً نَحْوَهَا. قال: وكذلك مَن شهِدَ بدْرًا من الملائكة". وقال الله تعالى:{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ}(٧). وقال:{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}(٨). ورُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رآهم قال: "اللهمَّ، إنَّ هؤلاءِ قُريشٌ قد جاءت بخُيلائها يُكَذِّبون
(١) سورة المائدة الآية ٢٤. (٢) تاريخ الإِسلام (المنازي) ص ٨١. وأخرجه البخاري ٧/ ٢٢٣، ٢٢٤ في المغازي، مع اختلاف في اللفظ. (٣) مسند أحمد ١/ ١١٧. (٤) الحَجَف: ضرب من التَّرسَة، واحدها حَجَفة، وقيل: هي من الجلود خاصة، وقيل: هي من جلود الإِبل مُقَوَّرة. (اللسان). (٥) سورة الأنفال الآية ٩ و ١٠. (٦) ٧/ ٢٥١ في المغازي: باب شهود الملائكة بدرًا. (٧) سورة آل عمران الآية ١٢٣. (٨) سورة الأنفال الآية ١٧.