وَصَبَرَ حَتَّى يُقْتَل، لأَِنَّهُ ابْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَيَخْتَارُ مَا هُوَ الأَْهْوَنُ فِي زَعْمِهِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَصْبِرُ وَلاَ يَفْعَل ذَلِكَ؛ لأَِنَّ مُبَاشَرَةَ الْفِعْل سَعْيٌ فِي إِهْلاَكِ نَفْسِهِ فَيَصْبِرُ تَحَامِيًا عَنْهُ (١) .
أَمَّا إِذَا ظَنَّ السَّلاَمَةَ فِي الاِنْتِقَال مِنْ سَبَبٍ إِلَى سَبَبٍ آخَرَ لِلْمَوْتِ، أَوْ رَجَا طُول الْحَيَاةِ وَلَوْ مَعَ مَوْتٍ أَشَدَّ وَأَصْعَبَ مِنَ الْمَوْتِ الْمُعَجَّل، فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِوُجُوبِهِ؛ لأَِنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، وَعَبَّرَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ هُوَ الأَْوْلَى، مِمَّا يَدُل عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ (٢) .
١٠ - وَمِنْ أَمْثِلَةِ الاِنْتِقَال مِنْ سَبَبِ مَوْتٍ إِلَى سَبَبِ مَوْتٍ آخَرَ مَا ذَكَرُوا مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَبِعَ بِسَيْفٍ وَنَحْوِهِ مُمَيِّزًا هَارِبًا مِنْهُ فَرَمَى نَفْسَهُ بِمَاءٍ أَوْ نَارٍ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، لِمُبَاشَرَتِهِ إِهْلاَكَ نَفْسِهِ عَمْدًا، كَمَا لَوْ أَكْرَهَ إِنْسَانًا عَلَى أَنْ يَقْتُل نَفْسَهُ فَقَتَلَهَا. فَكَأَنَّهُ يُشْبِهُ الاِنْتِحَارَ عِنْدَهُمْ. وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ.
أَمَّا لَوْ وَقَعَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ جَاهِلاً بِهِ، لِعَمًى أَوْ ظُلْمَةٍ مَثَلاً أَوْ تَغْطِيَةِ بِئْرٍ، أَوْ أَلْجَأَهُ إِلَى السَّبُعِ بِمَضِيقٍ ضَمِنَ مَنْ تَبِعَهُ، لأَِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِهْلاَكَ نَفْسِهِ وَقَدْ أَلْجَأَهُ التَّابِعُ إِلَى الْهَرَبِ الْمُفْضِي لِلْهَلاَكِ. وَكَذَا لَوِ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ فِي هَرَبِهِ فِي الأَْصَحِّ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا طَلَبَ إِنْسَانًا بِسَيْفٍ مَشْهُورٍ فَهَرَبَ مِنْهُ، فَتَلِفَ فِي هَرَبِهِ ضَمِنَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ
(١) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٥ / ١٩٠، والقليوبي ٤ / ٤١٠(٢) الخرشي ٣ / ١٢١، والمغني ١٠ / ٥٥٤(٣) نهاية المحتاج ٧ / ٣٣٣
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.