إذا قام إلى الصلاة كبَّر ثم قال: وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونُسُكِي (١) ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين».
وفي رواية:«وأنا أول المسلمين». وفي «الظهيرية» عن أبي يوسف: روايتان، في رواية يقول:«وأنا من المسلمين». وفي رواية يقول:«وأنا أول المسلمين» يعني على الحكاية. لأنه صلى الله عليه وسلم أول مسلمي هذه الأمّة، وأوّل المسلمين مطلقٌ، وكون روحه أول ما خلق الله، ولأنه أول من قال: بلى في جواب قوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ}(٢) .
وأمّا القول بالتوجيه قبل تكبيرة الافتتاح، فليس له توجيه وجيه، سواء يكون قبل النية أو بعدها.
(وَيَتَعَوَّذُ) أي في أول الصلاة فقط اتفاقاً، بأنْ يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهو ظاهر الرواية ومختار شمس الأئمة، وجمهور أرباب القراءة، ويؤيده ما جاء في الكتاب والسنة بلفظ: أعوذ، دون أستعيذ، كما اختاره صاحب «الهداية».
وهو مستحبٌّ عند عامة السلف وعليه جمهور الخلف وانفرد عطاء والثَّوْرِيّ بوجوبه لقوله تعالى:{فإذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ باللهِ}(٣) . ولقول أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ: «إنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل كبّر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك … إلخ، ثم يقول: لا إله إلاَّ الله ثلاثاً، ثم يقول: الله أكبر كبيراً ثلاثاً، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من هَمْزِهِ (٤) ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ (٥) ، ثم يقرأ». رواه أبو داود والترمذيّ. قال الترمذي: هذا أشهر حديث في هذا الباب، وقد تُكُلِّمَ في إسناده. وقال المُنْذِري: وَثَّقَهُ غير واحد، وتكلم فيه غير واحد.
(لِلْقِرَاءَةِ) أي لأجل القراءة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد وعليه الجمهور، لقوله تعالى:{فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ} أي أردت قراءته (لا لِلثَّنَاءِ) كما هو قول أبي يوسف. وَوَجْهُهُ: أنه ذِكرٌ بعد الثناء من جنسه، فيكون تبعاً له. وفي «الخلاصة»: قول أبي
(١) النُّسُك: الطاعة والعبادة، وكل ما تُقُرِّبَ به إلى الله تعالى. النهاية: ٥/ ٤٨. (٢) سورة الأَعراف، الآية: (١٧٢). (٣) سورة النحل، الآية: (٩٨). (٤) الهَمزُ: النَّخْسُ. النهاية: ٥/ ٢٧٣. وأصل النَّخْس: الدفع والحركة. النهاية: ٥/ ٣٢. (٥) النَّفْثُ: شبيهٌ بالنَّفخ، وهو أقلّ من التَّفْل. مختار الصحاح، ص: ٢٧٩، مادة (نفث).