. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
ذَكَرَ فِي الْمَشَارِقِ وَالنِّهَايَةِ ذَرَيْتُ وَأَذْرَيْتُ بِمَعْنًى وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ ذَرَوْته طَيَّرْته وَأَذْهَبْته وَذَرَتْ الرِّيحُ التُّرَابَ وَغَيْرَهُ تَذْرُوهُ وَتُذْرِيهِ ذَرْوًا وَذَرْيًا أَيْ سَفَّتْهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ ذَرَّى النَّاسُ الْحِنْطَةَ، ثُمَّ قَالَ وَأَذْرَيْتُ الشَّيْءَ إذَا أَلْقَيْته كَإِلْقَائِك لِحَبٍّ لِلزَّرْعِ؛ وَطَعَنَهُ فَأَذْرَاهُ عَنْ ظَهْرِ دَابَّتِهِ أَيْ أَلْقَاهُ انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِي الْمُحْكَمِ نَحْوَهُ وَهَذَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الثُّلَاثِيِّ وَالرُّبَاعِيِّ وَأَنَّ مَا يُلْقَى فِي غَيْرِ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الثُّلَاثِيُّ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا يُلْقَى فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الرُّبَاعِيُّ.
{الْخَامِسَةُ} قَوْلُهُ «فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ» ظَاهِرُهُ نَفْيُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى إحْيَائِهِ وَإِعَادَتِهِ وَفِي الْقَوْلِ بِهِ إشْكَالٌ فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ وَالشَّاكُّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَافِرٌ مَعَ كَوْنِ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا إخْبَارُهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ هَذَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْكَافِرُ لَا يَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى وَالثَّانِي إخْبَارُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِأَنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ وَالْكَافِرُ لَا يُغْفَرُ لَهُ مَعَ مَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ الصَّرِيحَةِ فِي أَنَّهُ كَانَ مُوَحِّدًا فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فَيَكُونُ لَهُ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ لَأَنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَى الْعَذَابِ أَيْ قَضَاهُ يُقَالُ مِنْهُ قَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ وَقَدَّرَ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالثَّانِي أَنْ قَدَرَ بِمَعْنَى ضَيَّقَ فَقَوْلُهُ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ أَيْ لَئِنْ ضَيَّقَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر: ١٦] وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: ٨٧] وَقَالَ آخَرُونَ اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَذَكَرُوا لَهُ تَأْوِيلَاتٍ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ وَهُوَ غَيْرُ ضَابِطٍ لِكَلَامِهِ وَلَا قَاصِدٍ لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ وَمُعْتَقِدٍ لَهَا بَلْ قَالَهُ فِي حَالَةٍ غَلَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الدَّهَشُ وَالْخَوْفُ وَالْجَزَعُ الشَّدِيدُ بِحَيْثُ ذَهَبَ تَيَقُّظُهُ وَتَدَبُّرُهُ مَا يَقُولُهُ فَصَارَ فِي مَعْنَى الْغَافِلِ وَالنَّاسِي وَهَذِهِ الْحَالَةُ لَا يُؤَاخَذُ فِيهَا وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ الْآخَرَ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ الْفَرَحُ حِينَ وَجَدَ رَاحِلَتَهُ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّك فَلَمْ يَكْفُرْ بِذَلِكَ لِلدَّهَشِ وَالْغَلَبَةِ وَالسَّهْوِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ فَلَعَلِّي أَضِلُّ اللَّهَ أَيْ أَغِيبُ عَنْهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ «لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَى» ظَاهِرِهِ كَمَا ذَكَرْنَا.
(الثَّانِي) أَنَّ هَذَا مِنْ مَجَازِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَبَدِيعِ اسْتِعْمَالِهَا يُسَمُّونَهُ مَزْجُ الشَّكِّ بِالْيَقِينِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.