ونقم عليه أهل الدولة ذلك (٢) ، فكان فيه حتفه، وانقراض دولته ودولة قومه، وكان أسرع الناس كراهةً لذلك الأمويين والقرشيين، فغصّوا بأمره، وأسفوا من تحويل الأمر جملة من المضرية إلى اليمنية، فاجتمعوا لشأنهم، وتمشّت من بعض إلى بعض رجالاتهم، وأجمعوا أمرهم في غيبة من المذكور ببلاد الجلالقة في غزاة من صوائفه، ووثبوا بصاحب الشرطة فقتلوه بمقعده من باب قصر الخلافة بقرطبة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وخلعوا هشاماً المؤيد.؟
[بيعة المهديّ بالله]
وبايعوا محمد بن هشام بن عبد الجبار ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله من أعقاب الخلفاء، لقّبوه المهدي بالله، وطار الخبر إلى عبد الرحمن الحاجب ابن المنصور بمكانه من الثّغر، فانفضّ جمعه، وقفل إلى الحضرة مدلّ بمكانه، زعيماً بنفسه، حتى إذا قرب من الحضرة تسلّل عنه الناس من الجند ووجوه البربر، ولحقوا بقرطبة، بايعوا المهدي القائم بالأمر، وأغروه بعبد الرحمن الحاجب، لكونه ماجناً مستهتراً غير صالح للأمر، فاعترضه منهم من قبض عليه، واحتزّ رأسه، وحمله إلى المهدي وإلى الجماعة. وذهبت دولة العامريين كأن لم تكن، ولله عاقبة الأمور.
وفي المهدي يقول بعضهم:
قد قام مهديّنا ولكن ... بملّة الفسق والمجون
(١) في أعمال الأعلام والبيان المغرب: وهذا الكتاب نسختان، أول الشهود فيه قاضي الجماعة أحمد ابن عبد الله بن ذكوان ويليه من الوزراء خاصة أسماء تسعة وعشرين رجلاً، يليه أسماء مائة وثمانين رجلاص من أصحاب الشرطة وسائر أهل الخدمة. (٢) لا يزال النقل في هذه الفقرة والتي تليها مستمراً عن ابن خلدون.