ولقد أراني والليوث تخافني ... فأخافني من بعد ذاك الثعلب
حسب الكريم مذلّةً ومهانةً ... أن لا يزال إلى لئيمٍ يطلب فلمّا بلغ المجلس جلس في آخره دون أن يسلّم على أحد، أو يومئ إليه بعين أو يد، فلمّا أخذ مجلسه تسرّع إليه الوزير محمّد بن حفص بن جار فعنفه واستجفاه (١) ، وأنكر عليه ترك السلام وجفاه، وجعفر معرض عنه، إلى أن كثر القول منه، فقال له: يا هذا، جهلت المرّة فاستجهلت معلّمها (٢) ، وكفرت النّعم (٣) فقصدت بالأذى ولم ترهب مقدّمها، ولو أتيت نكرا، لكان غيرك أدرى، وقد وقعت في أمر ما أظنّك تخلص منه، ولا يسعك السكوت عنه، ونسيت الأيادي الجميلة، والمبرات الجليلة، فلمّا سمع محمّد بن حفص ذلك من قوله قال: هذا البهت بعينه، وأيّ أياديك الغرّ التي مننت بها، وعيّنت أداء واجبها؟ أيد كذا أم يد كذا؟ وعدّد أشياء أنكرها منه أيام إمارته، وتصرف الدهر طوع إشارته، فقال جعفر: هذا ما لا يعرف، والحق الذي لا يردّ ولا يصرف، دفعي (٤) القطع عن يمناك، وتبليغي لك إلى منالك، فأصرّ محمّد بن حفص على الجحد، فقال جعفر: أنشد الله من له علم بما أذكره إلا اعترف به فلا ينكره، وأنا أحوج إلى السكوت، ولا تحجب دعوتي فيه عن الملكوت، فقال الوزير أحمد بن عباس (٥) : قد كان بعض ما ذكرته يا أبا الحسن، وغير هذا أولى بك، وأنت فيما أنت فيه من محنتك وطلبك، فقال: أحرجني الرجل فتكلمت، وأحوجني إلى ما به أعلمت، فأقبل الوزير ابن جهور على محمد بن حفص وقال: أسأت إلى الحاجب، وأوجبت عليه غير