وقطع بالعبور عدة أنهار كبار وخلجان يمدها البحر الأخضر، ثم أفضى العسكر بعد ذلك إلى بسائط جليلة من بلاد فرطارش (١) وما يتصل بها، ثم أفضى إلى جبل شامخ شديد الوعر لا مسلك فيه ولا طريق، لم يهتد الأدلاّء إلى سواه، فقدّم المنصور الفعة بالحديد لتوسعة شعابه وتسهيل مسالكه، فقطعه العسكر، وعبروا بعده وادي منيه (٢) ، وانبسط المسلمون بعد ذلك في بسائط عريضة وأرضين أريضة، وانتهت مغيرتهم إلى دير قسطان (٣) وبسط بلنبو (٤) على البحر المحيط، وفتحوا حصن شنت بلاية (٥) ، وغنموه، وعبروا سباحةً إلى جزيرة من البحر المحيط لجأ إليها خلق عظيم من أهل تلك النواحي، فسبوا من فيها ممّن لجأ إليها، وانتهى العسكر إلى جبل مراسية (٦) المتصل من أكثر جهاته بالبحر المحيط، فتخلّلوا أقطاره، واستخرجوا من كان فيه، وحازوا غنائمه، ثمّ أجاز المسلمون بعد هذا خليجاً في معبرين ارشد الأدلاّء إليهما، ثمّ نهر أيلة (٧) ، ثم أفضوا إلى بسائط واسعة العمارة كثيرة الفائدة (٨) ، ثمّ انتهوا إلى موضع من مشاهد صاحب القبر تلو مشهد قبره عند النصارى في الفضل، يقصده نسّاكهم له من أقاصي بلادهم ومن بلاد القبط والنوبة وغيرهما، فغادره الملمون قالعاً، وكان النزول بعده على مدينة شنت ياقب البائسة، وذلك يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان، فوجدها المسلمون خالية من أهلها، فحاز المسلمون غنائمها، وهدموا مصانعها وأسوارها وكنيستها، وغفّوا آثارها، ووكل المنصور بقبر ياقب من يحفظه ويدفع الأذى عنه، وكانت مصانعها بديعة محكمة فغودرت هشيماً
(١) البيان المغرب: فلطارش. (٢) منيه منيو أو منهو (Minho Rio Mino) . (٣) بعض النسخ: قسان. (٤) البيان المغرب: يلنبوط، وفي نسخة: بيلنوا. (٥) شنت بلاة: (San Pelayo) . (٦) مراسية (Morrazo) . (٧) أيلة (Ulla) . (٨) زاد في البيان: منها بسيط أونية وقرجيطة ودير شنت برية.