ثم ذكر هذا المؤرخ (١) قصة الجوهري التي قدمنا نقلها من مغرب ابن سعيد، ولكنّا رأينا إعادتها بلفظ هذا المؤرخ، لأنّه أتمّ مساقاً إذ قال عطفاً على دهائه: ومن ذلك قصة الجوهري التاجر، وذلك أن رجلاً جوهريّاً من تجّار المشرق قصد المنصور من مدينة عدن بجوهر كثير وأحجار نفيسة، فأخذ المنصور من ذلك ما استحسنه، ودفع إلى التاجر الجوهريّ صرّته، وكانت قطعة يمانيّة، فأخذ التاجر في انصرافه طريق الرملة على شطّ النهر، فلمّا توسّطها واليوم قائظ وعرقه منصبٌّ دعته نفسه إلى التبرّد في النهر، فوضع ثيابه وتلك الصّرّة على الشط، فمرّت حدأة فاختطفت الصّرّة (٢) تحسبها لحماً، وصاعدت في الأفق بها ذاهبة، فقطعت الأفق الذي تنظر إليه عين التاجر، فقامت قيامته، وعلم أنّه لا يقدر أن يستدفع ذلك بحيلة، فأسرّ الحزن في نفسه، ولحقه لأجل ذلك علّة اضطرب فيها، وحضر الدفع إلى التجّار فحضر الرجل لذلك بنفسه، فاستبان للمنصور ما بالرجل (٣) من المهانة والكآبة، وفقد ما كان عنده من النشاط وشدة العارضة، فسأله المنصور عن شأنه، فأعلمه بقصّته، فقال له: هلاّ أتيت إلينا بحدثان وقوع الأمر فكنّا نستظهر على الحيلة، فهل هديت إلى الناحية التي أخذ الطائر إليها؟ قال: مرّ مشرقاً على سمت هذا الجبل الذي يلي قصرك، يعني الرملة، فدعا المنصور شرطيّه الخاص به، فقال له: جئني بمشيخة أهل الرملة الساعة، فمضى وجاء بهم سريعاً، فأمرهم بالبحث عمّن غيّر حال الإقلال منهم سريعاً، وانتقل عن الإضاقة دون تدريج، فتناظروا في ذلك ثمّ قالوا: يا مولانا ما نعلم إلا رجلاً من ضعفائنا كان يعمل هو وأولاده بأيديهم ويتناولون السّبق بأقدمهم عجزاً عن شراء دابة، فابتاع اليوم دابة، واكتسى هو وولده كسوة متوسّطة، فأمر بإحضاره من الغد، وأمر التاجر
(١) البيان المغرب ٢: ٤٣٥؛ وانظر ص: ٤٠١ فيما سبق. (٢) بعض النسخ: وترك الصرة. (٣) بعض النسخ: ما نال الرجل.