للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من عمله عنده، ثم يرده إلى محبسه، ففعل ذلك على ما رسمه، وذهب الفاصد إلى شكوى ما ناله، فقطع عليه المنصور، وقال له: يا محمّد، إنّه القاضي، وهو في عدله، ولو أخذني الحق ما أطقت الامتناع منه، عد إلى محبسك أو اعترف بالحق فهو الذي يطلقك، فانكسر الحاجم، وزالت عنه ريح العناية، وبلغت قصته للقاضي، فصالحه مع زوجته، وزاد القاضي شدةً في أحكامه.

وقال ابن حيّان (١) : إنّه كان جالساً في بعض الليالي، وكانت ليلة شديدة البرد والريح والمطر، فدعا بأحد الفرسان وقال له: انهض الآن إلى فج طليارش وأقم فيه فأول خاطر يخطر عليك سقه إليّ، قال: فنهض الفارس وبقي في الفج في البرد والريح والمطر واقفاً على فرسه، إذ وقف عليه قرب الفجر شيخ هرم على حمار له، ومعه آلة الحطب، فقال له الفارس: إلى أين تريد يا شيخ؟ فقال: وراء حطب، فقال الفارس في نفسه: هذا شيخ مسكين نهض إلى الجبل يسوق حطباً، فما عسى أن يريد المنصور منه؟ قال: فتركته، فسار عني قليلاً، ثم فكرت في قول المنصور، وخفت سطوته، فنهضت إلى الشيخ وقلت له: ارجع إلى مولانا المنصور، فقال له: وما عسى أن يريد المنصور من شيخ مثلي؟ سألتك بالله أن تتركني لطلب معيشتي، فقال له الفارس: لا أفعل، ثمّ قدم به على المنصور، ومثله بين يديه وهو جالس لم ينم ليلته تلك، فقال المنصور للصقالبة: فتّشوه، ففتّشوه فلم يجدوا معه شيئاً، فقال: فتّشوا برذعة حماره، فوجدوا داخلها كتاباً من نصارى كانوا قد نزعوا إلى المنصور يخدمون عنده إلى أصحابهم من النصارى ليقبلوا ويضربوا في إحدى النّواحي الموطومة (٢) ، فلمّا انبلج الصبح أمر بإخراج أولئك النصارى إلى باب الزاهرة، فضربت أعناقهم، وضربت رقبة الشيخ معهم.


(١) المصدر نفسه: ٤٣٤.
(٢) في ج: المرطومة؛ والموطومة (قراءة ق ط ك) لعلها الأرض التي كثر فيها الوطم وهو نبات يشبه الاذخر، وذلك تأويل بعيد، واقدر أن تكون مصحفة عن " الموصوفة " اي التي وصفت في الكتاب.

<<  <  ج: ص:  >  >>