للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بجوهر، وقد حفته جماعة من نصارى وجوه الذمّة بالأندلس يؤنسونه ويبصرونه، فيهم وليد بن خيزران (١) قاضي النصارى بقرطبة وعبيد الله بن قاسم مطران طليطلة (٢) وغيرهما، فدخل بين صفّي الترتيب يقلّب الطّرف في نظم الصفوف، ويجيل الفكر في كثرتها وتظاهر أسلحتها ورائق حليتها، فراعهم ما أبصروه، وصلّبوا على وجوههم، وتأملوا ناكسي رؤوسهم غاضّين من أجفانهم قد سكّرت أبصارهم حتى وصلوا إلى باب الأقباء أوّل باب قصر الزهراء، فترجل جميع من كان خرج إلى لقائه، وتقدم الملك أردون وخاصّة قوامسه على دوابهم، حتى انتهوا إلى باب السّدّة، فأمر القوامس بالترجّل هنالك والمشي على الأقدام، فترجلوا، ودخل الملك أردون وحده راكباً مع محمد بن طملس، فأنزل في برطل (٣) البهو الأوسط من الأبهاء القبلية التي بدار الجند على كرسي مرتفع مكسوّ الأوصال بالفضّة، وفي هذا المكان بعينه نزل قبله عدوّه ومناوئه شانجة بن رذمير الوافد على الناصر لدين الله - رحمه اله تعالى - فقعد أردون على الكرسي، وقعد أصحابه بين يديه، وخرج الإذن لأردون الملك من المستنصر بالله بالدخول عليه، فتقدم يمشي وأصحابه يتبعونه إلى أن وصل إلى السطح، فلمّا قابل المجلس الشرقي الذي فيه المستنصر بالله وقف وكشف رأسه وخلع برنسه، وبقي حاسراً إعظاماً لما بان له من الدنو إلى السرير، واستنهض فمضى بين الصفين المرتبين في ساحة السطح، إلى أن قطع السطح وانتهى إلى باب البهو، فلمّا قابل السرير


(١) كذا في ق ج ط ودوزي؛ وهو مضطرب في النسخ فهو: خيزان؛ حيزون (في ك) ؛ خيرون؛ ولعل الأخيرة " خيرون " هي الصواب؛ وهذا القاضي فيما يبدو هو الذي أعان على ترجمة كتاب هروشيوش حين أهداه إمبراطور القسطنطينية إلى الناصر (ابن خلدون ٢: ٨٨) وفي أحداث سنة ٣٦٠ من المقتبس أن قاضي النصارى بقرطبة كان اسمه " اصبغ بن نبيل " (ص: ٦٤، ١٤٦) .
(٢) سماه في المقتبس (٤٧) مطران إشبيلية، وكان المستنصر يعتمد عليه في الترجمة وفي مرافقة الوفود وشؤون السفارات.
(٣) البرطل: يقابل بالإسبانية (Portal) أي المدخل.

<<  <  ج: ص:  >  >>