للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قاعدة الديار المصرية، لمعاينة الهرمين وما فيهما من المعالم الأزلية، وعاينت القاهرة المعزّية، وما فيها من الهمم الملوكية، غير أنّي أنكرت مبانيها الواهية، على ما حوت من أولي الهمم العالية، وكونها حاضرة العسكر الجرّار، وكرسيّ الملك العظيم المقدار، وقلت: أصداف فيها جواهر، وشوك محدق بأزاهر، ثم ركبت النيل وعاينت تماسيحه، وجزت بحر جدة وذقت تباريحه، وقضيت الحج والزيارة، وملت إلى حاضرة الشام دمشق والنفس بالسوء أمّارة، فهنالك بعت الزيارة بالأوزار، وآلت تلك التجارة إلى ما حكمت به الأقدار، إذ هي كما قال أحد من عاينها (١) :

أمّا دمشق فجنّات معجّلة ... للطالبين بها الولدان والحور فلله ما تضمن داخلها من الحور والولدان، وما زيّن به خارجها من الأنهار والجنان، وبالجملة فإنّها حمى تتقاصر عن إدراكها أعناق الفصاحة، وتقصر عن مناولتها في ميدان الأوصاف كل راحة، ولم أزل أسمع عن حلب، أنّها دار الكرم والأدب، فأدرت أن يحظى بصري بما حظي به سمعي، ورحلت إليها وأقمت جابراً بالمذاكرة والمطايبة صدعي، ثم رحلت إلى الموصل فألفيت مدينة عليها رونق الأندلس، وفيها لطافة وفي مباينها طلاوة ترتاح لها الأنفس، ثم دخلت إلى مقر الخلافة بغداد، فعاينت من العظم والضخامة ما لا يفي به الكتب ولو ان البحر مداد، ثم تغلغلت في بلاد العجم بلداً بلداً، غير مقتنع بغاية ولا قاصد أمداً، إلى أن حللت ببخارى قبة الإسلام، ومجمع الأنام، فألقيت بها عصا التسيار، وعكفت على طلب العلم واصلاً في اجتهاده سواد الليل وبياض النّهار، انتهى.

وكتب إليهم أيضاً من هذه الرسالة: كتبت وقد حصلتني السعادة، وحظ


(١) الشعر للعرقلة الدمشقي، أبي الندى حسان بن نمير أحد شعراء الخريدة (قسم الشام ١: ١٧٨ وفي الحاشية ثبت بتخريج ترجمته) والبيت في الخريدة: ٢٠٤ ورحلة ابن بطوطة: ٨٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>