اشترط جمهور الفقهاء إذن الإمام باستيفاء القصاص؛ وذلك لعظم وخطر هذه العقوبة، ولأن إيجاب القصاص يفتقر إلى اجتهاد؛ نظرا لاختلاف الفقهاء في شرائط وجوب القصاص واستيفائه، إلا أنهم جعلوا عقوبة من يخالف ذلك ويقتص بنفسه التعزير؛ لافتياته وتعديه على سلطة الإمام، والتعزير عقوبة يقدرها الإمام حسب اجتهاده١.
وخالف في هذا الزيدية والإمامية، فجعلوا لولي الدم أن يقتص وإن لم يحكم الحاكم فيما كان مجمعا عليه، أو ثبت بالتواتر، أو بالإقرار؛ لقوله تعالى:{فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} ، ولأنه حقه٢.
إلا أن جعل هذا الحق بيد ولي الدم مباشرة يؤدي إلى انتشار القتل بين الناس؛ لأن أهل المقتول لا يفرقون بين أمر مجمع عليه أو غير مجمع عليه؛ بل إنهم سيسارعون إلى قتله دون تحقيق ومعرفة تامة بظروف الحادث.
ولقد رأينا صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأخذون القاتل إليه، وبعد أن يوضح لهم عليه السلام الحكم، يباشرون التنفيذ، وحسبك في ذلك ما نقلناه فيما تقدم عن الربيع عمة أنس بن النضر، وما روي عن وائل بن حجر، قال: إني لقاعد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ جاء رجل يقود آخر
١ راجع كشاف القناع ج٣، ص٣١١، ومغني المحتاج ج٤، ص٤١، وللفقهاء تفصيلات يرجع إليها عند الحاجة. ٢ التاج المذهب ج٤، ص٢٧٩، والروضة البهية ج٢، ص٤١٥.