للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

في الحرم، ولم يبح قتل من لم يقاتل، بدلالة قوله تعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} ١.

ويؤيد هذه التفرقة أن الجاني في الحرم هاتك لحرمته، بخلاف من جنى ثم التجأ إلى الحرم، فإنه لا يوجد منه هتك لحرمته، ولا اعتداء على قدسيته، وأيضا لو قلنا بترك الحد والقصاص على كل شخص يفعل ما يوجب ذلك في الحرم لعظم الفساد في الحرم وانتشر، وهذا يتنافى مع مكانته.

الحالة الثانية: أما إذا ارتكب الجاني جنياته خارج الحرم ثم لاذ بالحرم، فإن للفقهاء رأيين في إقامة العقوبة عليه:

الرأي الأول: قال مالك والشافعي٢: يقتص منه في الحرم في النفس وما دونها٣، استنادا إلى عمومات الأدلة القاضية بالقصاص؛ كقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ... } .


١ سورة البقرة الآية رقم ١٩١.
٢ راجع الشرح الصغير ج٢، ص٣٦٤، ومغني المحتاج ج٤، ص٤٣.
٣ وقد روى قتادة عن الحسن أنه قال: لا يمنع الحرم من أصاب فيه أو في غيره أن يقام عليه. قال: وكان الحسن يقول: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} كان هذا في الجاهلية، ولو أن رجلا حر "اقترف" كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتعرض له حتى يخرج من الحرم، فأما الإسلام فلم يزده إلا شدة، من أصاب الحد في غيره ثم لجأ إليه أقيم عليه الحد، إلا أن هذه الرواية عارضتها رواية أخرى؛ فقد روى هشام عن الحسن وعطاء قالا: إذا أصاب حدا في غير الحرم، ثم لجأ إلى الحرم، أخرج عن الحرم، حتى يقام عليه. وعن مجاهد مثله، وهذا يحتمل أنه يريد بإخراجه اضطراره إلى الخروج بترك مجالسته وإيوائه ومبايعته ومشاراته. وقد روي ذلك عن عطاء مفسرا. أحكام القرآن للجصاص ج٢، ص٢٥.

<<  <   >  >>