وَقَوْلُهُ: أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ عَطْفٌ عَلَى: أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ وَأَصْلُ (أَوِ) الدَّلَالَةُ عَلَى التَّرْدِيدِ بَيْنَ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوِ الْأَشْيَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَ تَجْوِيزِ حُصُولِ الْمُتَعَاطِفَاتِ كُلِّهَا فَتَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ بَعْدَ الطَّلَبِ، وَلِلتَّجْوِيزِ بَعْدَ الْخَبَرِ أَوْ لِلشَّكِّ أَمْ كَانَ مَعَ مَنْعِ الْبَعْضِ عِنْدَ تَجْوِيزِ الْبَعْضِ فَتَكُونُ لِلتَّخْيِيرِ بَعْدَ الطَّلَبِ وَلِلشَّكِّ أَوِ التَّرْدِيدِ بَعْدَ الْخَبَرِ، وَالتَّرْدِيدُ لَا يُنَافِي الْجَزْمَ بِأَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ كَمَا هُنَا، فَمَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ الْآكِلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَكُونُ مَلَكًا وَخَالِدًا، كَمَا قَالَ عَنْهُ فِي سُورَةِ طه [١٢٠] : هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلى فَجُعِلَ نَهْيُ اللَّهِ لَهُمَا عَنِ الْأَكْلِ لَا يَعْدُو إِرَادَةَ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْمَقَامِ أَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ حِرْمَانَهُمَا مِنَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا بِدَلَالَةِ الْفَحْوَى، وَلَمْ يَكُنْ آدَمُ
قَدْ عَلِمَ حِينَئِذٍ أَنَّ الْخُلُودَ مُتَعَذِّرٌ، وَأَنَّ الْمَوْتَ وَالْحَشْرَ وَالْبَعْثَ مَكْتُوبٌ عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُتَلَقَّى مِنَ الْوَحْيِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لَهُمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ [الْبَقَرَة: ٣٦] .
وَقاسَمَهُما أَيْ حَلَفَ لَهُمَا بِمَا يُوهِمُ صِدْقَهُ، وَالْمُقَاسَمَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ أَقْسَمَ إِذَا حَلَفَ، حُذِفَتْ مِنْهُ الْهَمْزَةُ عِنْدَ صَوْغِ الْمُفَاعَلَةِ، كَمَا حُذِفَتْ فِي الْمُكَارَمَةِ، وَالْمُفَاعَلَةُ هُنَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْفِعْلِ، وَلَيْسَتْ لِحُصُولِ الْفِعْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَنَظِيرُهَا: عَافَاهُ اللَّهُ، وَجَعَلَهُ فِي «الْكَشَّافِ» : كَأَنَّهُمَا قَالَا لَهُ تُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنَّكَ لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَأَقْسَمَ فَجُعِلَ طَلَبُهُمَا الْقَسَمَ بِمَنْزِلَةِ الْقَسَمِ، أَيْ فَتكون المفاعلة مجَازًا، قَالَ أَو أقسم لَهما بالنّصيحة وأقسما لَهُ بقبولها، فَتَكُونُ الْمُفَاعَلَةُ عَلَى بَابِهَا، وَتَأْكِيدُ إِخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِالنُّصْحِ لَهُمَا بِثَلَاثِ مُؤَكِّدَاتٍ دَلِيلٌ عَلَى مَبْلَغِ شَكِّ آدَمَ وَزَوْجِهِ فِي نُصْحِهِ لَهُمَا، وَمَا رَأَى عَلَيْهِمَا مِنْ مَخَائِلِ التَّرَدُّدِ فِي صِدْقِهِ، وَإِنَّمَا شَكَّا فِي نُصْحِهِ لِأَنَّهُمَا وَجَدَا مَا يَأْمُرُهُمَا مُخَالِفًا لِمَا أَمَرَهُمَا اللَّهُ الَّذِي يَعْلَمَانِ إِرَادَتَهُ بِهِمَا الْخَيْرَ عِلْمًا حَاصِلًا بِالْفِطْرَةِ.
[٢٢]
[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : آيَة ٢٢]
فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)
فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.