فيلطف بنا ويوفقنا! فصارت هذه المقالة شبهة فيها كلام حَقٍّ أُريد به باطل، فقولهم:{لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا} هذا كلام حق لا شك فيه؛ لأنه لا يقع في الكون خير ولا شر، ولا تحريكة ولا تَسْكينة إلا بمشيئة الله {وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى}[الأنعام: الآية ٣٥]، {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}[السجدة: الآية ١٣]، {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}[الأنعام: الآية ١٤٩]، فقول الذين أشركوا:{لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا} هذا كلام صدق وحق لا شَكَّ فِيه.
فَلِطَالِبِ العِلْمِ أنْ يَقُولَ: ما دام كلامهم حقّاً، وهم صادقون في قولهم:{لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} -أي: ولا أشرك آباؤنا- {وَلَا حَرَّمْنَا} أي: نحن ولا آباؤنا شَيْئاً لم يحرمه الله؛ كالبحيرة والسائبة، وهذا الكلام الذي ذكر هنا أن الكفار سيقولونه في المستقبل صرح بأنهم قالوه في (النحل) و (الزخرف)، هو بالنظر إلى ذاته كلام حق لا شك فيه؛ لأن الله لو شاء ألا يشركوا ما أشركوا، ولو شاء ألا يحرموا شيئًا ما حرموا شيئًا.
لطالب العلم أن يقول: إذا كان كلامهم هذا حقّاً، فَلِمَ قال:{كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} وفي بعض القراءات -وقد تَمَسَّكَ بها المعتزلة لمذهبهم- قال:(كذلك كَذَبَ الذين من قَبْلِهِمْ) بالتخفيف (١)، فما وجه هذا التكذيب؟ وما قالوا إلا حقّاً.
الجواب: أنَّهَا كَلِمَة حق أُريد بها باطل؛ لأنهم قالوا ذلك يستدلون به على أن الله راضٍ عنهم بفعلهم هذا، وهذه المقالة الكاذبة الكافرة هي التي أرادوها بكلامهم، فصار التكذيب مُنْصَبّاً عليها.
(١) وهي قراءة شاذة. انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٤٧)، الدر المصون (٥/ ٢١١).