أولها: أنه أجمع أهل اللسان العربي الذي نزل به القرآن أن العرب تقول: «توفَّاه، يتوفاه» إذا قَبَضَه إليه كاملاً تامّاً، كما تقول العرب: توفيتُ دَيْني من فلان؛ أي: قبضته، ولكن إطلاق التوفي على خصوص قبض الروح دون البدن اصطلاح عُرْفِيّ لا لغوي، فالاصطلاح اللغوي: يطلق على التوفي وقبض الشيء ببدنه ورُوحِهِ جميعاً (١)، وإطلاقه على الروح دون البدن إطلاق عُرْفِيّ لا لُغَوِي، ومع أن المعروف في الأصل عند أكثر العلماء أن الحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة اللّغَوية (٢)، وأن الله إذا قال: توفى الله فلاناً. أن الأغلب الذي يسبق إلى الذهن أنها الروح دون الجسم؛ لأن هذا هو العُرْف، والعُرف ينسخ الحقيقة اللّغَوِيَّة، ولكن الحقيقة اللغوية هنا التي هي:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ}؛ أي: قابِضك إليَّ كاملاً، ورافعك إليَّ بروحك وجسمك، هذه الحقيقة اللغوية وإن كانت تقدم عليها العُرْفِيَّة التي هي (قبض الروح دون البدن) إلا أنها اعتضدت بأحاديث صحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصارت حقيقة لغوية معتضدة بأحاديث متواترة، ولا إشكال في ذلك.
الثاني: أن الله لما أراد قَبْضَ عِيسَى إِلَيْهِ ألْقَى عليه النوم لئلا يزعجه الارتفاع إلى العالم العلوي، فقال:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} أي: مُنِيمُكَ وقابِضُكَ في نَوْمَه، والعرب تطلق الوفاة على النوم، وجاء في القرآن إطلاق الوفاة على النَّوْمِ في مَوْضِعَيْنِ:
(١) انظر: اللسان (مادة: وفى) (٣/ ٩٦١). (٢) انظر: البحر المحيط للزركشي (٣/ ٤٧٣ - ٤٧٦)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٣٣ - ٤٣٦)، المذكرة في أصول الفقه ١٧٤ - ١٧٥، أضواء البيان (٣/ ١٠٠)، (٦/ ٥٢٢)، (٧/ ٢٦٨)، نثر الورود (١/ ١٥٦)، قواعد التفسير (١/ ١٥١).