تعني: الجلوس، يزعم ابن مالك أن هذا لا يجوز (١). وقال بعض العلماء: هي مفعول أول لـ (جزيناهم)؛ لأن (جزى) تتعدى لمفعولين، تقول: جزيت عمراً خَيْراً، وجزيته شرّاً، فتكون (ذلك) أحد مفعولي (جزى)، أي: جَزَيْنَاهُمْ ذلك الجزاء بِبَغْيهِمْ، فتكون مفعولاً به مقدَّماً، وعليه فلا إشكال.
والبغي: أصله الإرادة (٢)، وكثيراً ما يستعمل في إرادة الظّلم.
وقوله:{وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} صيغة الجمع للتعظيم، والله يقول: إني لصادق. معظماً نفسه، ومعلوم أن الله صادق على كل حال {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً}[النساء: الآية ١٢٢]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً}[النساء: الآية ٨٧]. والسبب في هذا أن اليهُودَ زعَمُوا أن هذا الذي حُرِّمَ عليهم لم يكن جزاءً ولا عُقُوبَة، بل إنما كان حَرَاماً على إسرائيل، حَرّمَه إسرائيل على نفسه فاقتدوا به (٣)، وقد تقدم أن الله أكذبهم في هذه الدعوى وألقمهم فيها حجراً في سورة آل عمران، في قوله: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)} [آل عمران: الآية ٩٣] فلما أفحمهم وقال: {قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} خجلوا ولم يأتوا بالتوراة، وعلموا أن القرآن مهيمنٌ على الكتب، كما قال:{وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}[المائدة: الآية ٤٨] ولذا قال هنا: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فِيما ذَكَرْنَا مِنْ أنَّا حَرَّمْنَا عليهم ذلك لظلمهم، لا أنه حَرَّمَهُ إسْرَائِيل على نفْسِه،
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٤٥)، الدر المصون (٥/ ٢٠٨). (٢) انظر: المفردات (مادة: بغى) ١٣٦. (٣) انظر: ابن جرير (١٢/ ٢٠٦).