واستُدِلَّ بهَذَا على بطلان دَعْوَى ابن حزم أنه لا يحرم شيءٌ إلا ما نَصّ الله على تحريمه؛ لأن ابن حزم تَوَسَّع توسعاً شنيعاً اجتنى به على الشرع، مع عِلْمِه وقوة ذهنه، وزعم أن كل ما [لم ينص](١) الله على أنه حرام أنه لا يمكن أن يكون حرامًا، ومن هنا حمل على الأئمة - رضي الله عنهم وأرضاهم- مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم من فقهاء الأمصار، وتكلم عليهم كلاماً شديداً شنيعاً غير لائق، وزعم أنهم مشرعون، يشرعون من تلقاء أنفسهم، ولما احتُج عليه بإجماع العلماء على أن شحم الخنزير حرام، والله لم يذكره في كتابه قياساً على لحْمِهِ الذي نُصَّ على تَحْرِيمِهِ، أجاب ابن حزم عن هذا بأن قال: الضمير في قوله: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} عائد على الخنزير، فيدخل فيه شحمه ولحمه (٢).
وخالف في هذا القاعدة العربية المعروفة؛ لأن الضمائر في الأصل إنما تَرْجِعُ للمضاف لا المضاف إليه؛ لأن المضاف هو المُحَدَّث عنه (٣)، فلو قلت: جاءني غلامُ زيدٍ فأكْرَمْتُه، يتبادر أن المُكْرَم هو الغلام لا نفس زيد، وكذلك قوله:{لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ} أي: لحم الخنزير؛ لأنه هو المُحَدَّث عنه.
وربما رجع الضمير على المضاف إليه نادراً (٤)، وجاء في
(١) في الأصل: «ما نص» وهو سبق لسان، والصواب: أن كل ما لم ينص ... إلخ. (٢) انظر: المحلى (٧/ ٣٩٠ - ٣٩١). (٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٢٤١)، البرهان للزركشي (٤/ ٣٩)، الإتقان (٢/ ٢٨٤)، الكوكب الدري ٢٠٢، مختصر من قواعد العلائي ١٠١، الكليات ١٣٤ - ١٣٥، ٥٦٩، قواعد التفسير (١/ ٤٠٢). (٤) انظر قواعد التفسير (١/ ٤٠٣).