وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» الحديثَ (١). فهو (جل وعلا) لا ينتفعُ بطاعةِ المطيعِ، ولا تضرُّه معصيةُ العاصِي:{إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}[إبراهيم: الآية ٨]{فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}[التغابن: الآية ٦] ولذا قال هنا: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ} الذي لا تنفعُه طاعةُ مَنْ أَطَاعَ منكم، ولا تضرُّه معصيةُ مَنْ عَصَى منكم، وهو غَنِيٌّ بذاتِه غِنًى مُطْلقًا.
{ذُو الرَّحْمَةِ}: هو الرحيمُ الذي يرحمُكم - إن اتبعتُم أوامرَه - يومَ القيامةِ، كما قال تعالى:{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}[الأحزاب: الآية ٤٣] أي: يدعُوكم إلى طاعتِه - وهو رحيمٌ - ليرحمَكم ويدخلَكم جَنَّتَهُ.
وقد قَدَّمْنَا أن (الرحمنَ) هو ذو الرحمةِ الشاملةِ لجميعِ الخلائقِ في الدنيا، و (الرحيمُ) هو الذي يَرْحَمُ عبادَه المؤمنين في الآخرةِ (٢)، ومن رحمانيتِه (جل وعلا): لطفُه بالطيرِ الصافاتِ، كما قال:{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَاّ الرَّحْمَنُ}[الملك: الآية ١٩] أي: ومن رحمانيتِه: لطفُه بالطيرِ صافاتٍ وقابضاتٍ في جوِّ السماءِ، وإمساكُه لها. وهذا معنَى قولِه:{وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} يعني: وَمِنْ شدةِ غناهُ عنكم وعن أعمالِكم، وعدمُ حاجتِه إليكم،
(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، حديث رقم: (٢٥٧٧) (٤/ ١٩٩٤) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. (٢) في الفرق بين (الرحمن) و (الرحيم) انظر: ابن جرير (١/ ١٢٦)، القرطبي (١/ ١٠٥)، ابن كثير (١/ ٢٠)، مدارج السالكين (١/ ٧٥)، بدائع الفوائد (١/ ٢٤)، أضواء البيان (١/ ٣٩ - ٤١).